أبي القاسم الشابي
--------------------------------------------------------------------------------
- المقدمة:-
إذا الشعب يوماً أراد الحياة ,, فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـد لليـل أن ينجلـي ,, ولا بد للقيد أن ينكـسر
لا بد أن معظم الأجيال العربية المعاصرة تتذكر هذه الأبيات الثائرة، فقد كان المدرسون يحفظوننا إياها في المدارس إبان حقبة التحرر من ربقة الاستعمار البغيض. وإذا ذكرت هذه الأبيات ذكر معها اسم قائلها الشاعر الحالم "أبو القاسم الشابي" هذا الشاعر الذي جاءنا صوته القوي من تونس الخضراء، ليكسر قاعدة الانتشار في الشعر العربي التي كانت مقصورة على شعراء الجناح الشرقي من هذا الوطن الكبير.. إلا أن ذكر هذا الاسم لا يثير فقط تساؤلاً عن قدرة شعره المتميز على التفوق والانتشار.. بل عن كنه هذه الشخصية التي استطاعت أن تحدث هذا الدوي رغم أن السنوات التي قضاها في عالمنا الفاني لم تتعد الربع قرن.. ولكنه ترك أرجاءه تردد أصداء شعره الجميل الجريء .
ولد أبو القاسم الشابي في شهر مارس من سنة 1909. وكانت ولادته في قرية "الشابية"، وإليها كانت نسبته، وفيها دفن.
كان والده الشيخ محمد بن بلقاسم عالماً فاضلاً درس بالجامع الأزهر في القاهرة، ثم بجامع الزيتونة في تونس، وحصل على إجازة "التطويع". وقد تزوج الشيخ – فيما يبدو – قبل أن يحصل على هذه الإجازة، وأنجب ولده أبا القاسم – شاعرنا – قبل أن يعين قاضياً شرعياً. وحين عين في هذه الوظيفة كان ينتقل من بلد إلى آخر في أنحاء تونس، فأتاح هذا للطفل أن يتعرف طبيعة البلاد وطبائع أهلها وأشكال حياتهم المختلفة، وقد استغرقت هذه الفترة من حياة شاعرنا قرابة عشرين عاماً.
التحق أبو القاسم منذ صباه بالكتاب، فحفظ القرآن كله، وهو في التاسعة من عمره، وتعهده والده مدة عامين، لقنه في أثنائهما علوم العربية ومبادئ العلوم الدينية. ثم التحق في مسهل عامه الثاني عشر بجامع الزيتونة، وحصل منه – بعد ما يقرب من تسع سنوات – على الإجازة التي حصل عليها أبوه من قبل. ولم يعمر الشابي، بل وافته المنية وهو لم يزل في صدر شبابه، فتوفي في التاسع من أكتوبر سنة1934.
وسوف نتناول في هذا البحث- إنشاءالله - الخصائص الفنية لأسلوبه، العوامل المؤثرة على شعره، وبعض النماذج والموضوعات التي تناولها في قصائده الرائعة.
2- العرض:-
* شعر أبي القاسم الشابي
يُعد الشابي من الشعراء الرومانسيين، وليست الرومانسية وقفاً على عصر أو أمة أو مجتمع أو فئة في مجتمع، وإنما هي تيار شعري ـ فكري، ينساق فيه أفراد ذو أمزجة خاصة في مرحلة معينة من مراحل التطور الاجتماعي، ويسوقون فيه مَنْ حولهم، إلى أن يعم وينتشر. فكل من يضع الجمال فوق المنفعة في تقديره لشؤون الحياة يكون رومانسياً. وكل من يأبى الإذعان للعقل، حين يقتضيه التضحية بعواطفه، إنما يستجيب في ذلك لنزعة رومانسية أصيلة، وكل من يتمرد على القيود الاجتماعية، ويهوى العزلة، ويمجد الحب، وينشد عنف الأهواء، ويستسيغ الكآبة، ويمقت الواقع، ويفرح بالأحلام، يكون في حقيقة أمره، رومانسيَّ الاتجاه.
وقد تمثلت الرومانسية العربية، في أبدع صورها، وأجلى مظاهرها، وأقوى اندفاعاتها، كما تمثلت في سيرة أبي القاسم الشابي، وشاعريته وحياته وأدبه.
ويستمد الرومانسيون من عالم الطبيعة أذواقهم الشعرية والتعبيرية، وكذلك كان الشابي جزءاً من تلك الطبيعة.
* العوامل المؤثرة في فنه الشعري
كان استعداد الشابي للشعر قوياً، فدفعه ذلك إلى العناية بقراءة دواوين الشعر العربي القديم منها والحديث، فتفتحت موهبته الشعرية وهو بعد لم يتجاوز عامه الخامس عشر. ووجد شاعرنا في بيئة مدينة تونس عوامل دفع لقدراته الخبيئة، وإنضاج لرؤيته لواقع الحياة وللكون من حوله، وإثراء لتجربته الشعورية وتعميق لها. ولقد ساعده ذلك كله على تحديد موقفه من القضايا والأوضاع السياسية والاجتماعية، والفكرية، التي كان ذلك الواقع يطرحها. وعلى أساس من هذا الموقف تحددت المضامين الفكرية والشعورية التي أكدها شاعرنا بأعماله الشعرية والنثرية على السواء. لقد شارك الشابي مشاركة ايجابية وقوية في الصراع الحضاري الذي كان قد بدأ في بعض أقطار الوطن العربي في القرن الماضي، ولاسيما في مصر والشام، والذي بلغ قمة الاحتدام في أثناء الربع الأول من القرن الحالي، وهو الصراع الذي تمـثل بين الثقافة العربيـة، والثقافة العصرية المتأثرة
بالثقافة الغربية. وعلى الرغم من أن الشابي لم يكن يتقن لغة أجنبية – استطاع أن يطلع على جوانب من الثقافة الغربية من خلال الترجمات التي أتيح له أن يقرأها، ومن خلال الكتاب والشعراء العرب الذين كانوا يدعون دعوة العصرية، ويقودون حركة التجديد في الشعر نظرياً وعملياً. وكان أكثر من تأثر به الشابي من هؤلاء – الكاتب الكبير ((عباس محمود العقاد))، في الجانب النظري، ورائد الأدب في المهاجر الأمريكي ((جبران خليل جبران)) ، في الجانب الإبداعي. ومن خلال هذه المصادر المختلفة تعرف الشابي المدرسة الرومانسية في الشعر الغربي. لهذا لم يكون موقف الشابي في ذلك الصراع هو موقف المناصر لدعوة العصرية، وللمذهب الجديد. - في هذا الموقف – يواجه في بيئته التونسية التخلف الفكري والأدبي فحسب، بل كان يواجه النزعات المختلفة في المجتمع على تنوع أشكالها وصورها. ولا شك في أن الأوضاع السياسية في تونس كان لها أثر في هذا التخلف؛ فقد وقعت تونس تحت الاحتلال الفرنسي منذ الثاني عشر من مايو سنة 1881، وخضعت البلاد منذ ذلك التاريخ لسياسة استعمارية، تستهدف – بشتى الوسائل – للإبقاء على الأوضاع المختلفة في البلاد، عن طريق تشجيع الثقافة التقليدية والحيلولة دون قيام أية حركة تنويرية.
* خصائص شعره:-
* دعوته إلى تحرير الأدب:-
كانت هذه الأغلال السياسية مما دعا الشابي إلى تحرير الأدب من قيوده التقليدية. فاتصلت دعوته الأدبية بدعوته إلى تحرير الإنسان من الظلم السياسي والاجتماعي الواقع به، ومن هنا كان لشعر الشابي وجهه الفكري والفني، كما كان له وجهه السياسي والاجتماعي، فلم تكن التجربة الذاتية التي عبر عنها هذا الشعر بمعزل عن الواقع الذي خبره الشاعر وعاش في كنفه. لقد أدرك الشابي الظلم الذي طالما عانى منه أبناء الشعب نتيجة لإخضاعهم لقوانين تسلبهم حقوقهم الإنسانية وحرياتهم، فكانت صرخته في وجه الطغاة المستبدين. وأدرك الشابي كذلك أن أشد ما يرهبه المستعمرون هو أن يظهر في البلاد المستعمرة مصلحون مستنيرون، يوقظون شعوبهم من غفوتها، ويبصرونهم بحقوقهم في الحرية والعدالة والكرامة؛ ومن أجل ذلك كان المستعمرون يحرصون دائما على تعقب أمثال هؤلاء المستنيرين واضطهادهم وتعذيبهم؛ للحيلولة بينهم وبين أبناء الشعب. كما أدرك الشابي أن على الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار ألا تستسلم لواقعها التعس، وأن تكافح في سبيل تحقيق حريتها وكرامتها. كيف- إذن- يمكن للشعوب المغلوبة على أمرها أن تخرج من حياة الظلام ومن النوم الشبيه بالموت إلى الكفاح والثورة؟ إن الشابي يرى أن هذا يمكن أن يتحقق إذا نشطت في الشعب نفسه ((إرادة الحياة)) التي تحفزه إلى النضال ومقاومة القوى التي تفرض عليه التخلف والاستسلام للواقع الأليم.
* موقفه من الحياة:-
كان الشابي مقبلاً على الحياة أشد الإقبال، ولكنه كذلك لم يكن يتوقف عند مظاهرها السطحية العادية، بل كان يحاول تجاوز هذه المظاهر إلى الحقائق الكلية التي تقع وراء الصور والأشكال المتعددة. وربما كان لقراءات الشابي المبكرة في التصوف أثر في منحاه هذا، وكذلك كان متأثرا بشعر جبران خليل جبران، وكانت في هذا الشعر نزعة صوفية واضحة. ومن جهة أخرى كانت هذه النزعة تمثل بصفة عامة معلما أساسيا من معالم المدرسة الرومانسية في الشعر. ومن هنا كان حديث الشابي عما يسميه ((النشوة الصوفية القدسية))، وكيف أنها ((هي روح هذا العالم المتطور)) كما كثر في شعره ترديد مثل هذه العبارات: روح الطبيعة، روح الربيع، صميم الحياة، صميم الوجود، ضمير الوجود..... الخ.
وعندما تتغلغل روح الإنسان في أعماق الوجود، فتعرفه على حقيقته تكون بذلك قد اكتسبت القوة التي تؤهلها لمواجهة الظواهر العارضة. وإذا كان الإنسان نفسه جوهراً وعرضاً: جوهرة الروح، وعرضه البدن، ففي المجتمع يكون الأفراد عرضاً والمجتمع جوهراً. الأفراد إلى انتهاء، ولكن روح الجماعة شيء باق، ومن ثم كانت صيحة الشابي في الشعب أن ينفض عنه ركام الزمن، وأن ينطلق، كما تنفض البذرة عنها ركام التراب، وتشق طريقها من ظلام الأرض وبردها إلى نور الشمس ووهجها.
* رأيه في الجمال:-
يحدثنا الشابي عن موقفه من الجمال حديثا يرفع فيه من شأن الروح، ويقلل من قيمة الشكل، فالجمال الذي تقع عليه الحواس- عنده- ليس جمالاً حقيقياً، لأنه جمال متحول ومتغير ونسبي. أما الجمال الذي تهتز له الروح فهو الجمال المعنوي الذي يقترن بالحق وبالخير. إن الشابي لا ينكر الحسان الفاتنات حسنهن وفتنهن، ولكنه- كدأبه – ينظر إلى الروح. فما قيمة الحسن والفتنة في جسم مظلم الروح، معتم السريرة؟ إن جمال الأرواح – عنده – هو الجمال الحقيقي الخالد، وهو يعلن هذا صريحا في قوله: غير باق في الكون إلا جمال الروح غضا على الزمان الأبيد. ووقفة عند قصيدته الرائعة: ((صلوات في هيكل الحب))1.
1- تعد هذه القصيدة درة ديوان الشابي، كتبت عام 1913، وهي ذات شعري طويل، يمزج فيها الشابي بين الحبيبة والطبيعة، وهي وقصيدة أغاني الحياة هما اللتان قدمتا الشابي لمثقفي وأدباء العالم العربي.
تؤكد لنا هذا المنحى في انفعاله الخاص بجمال محبوبته، حيث تتوارى كل القيم الشكلية فيها، فلا ينفعل منها إلا بجمالها المعنوي. فهو يحدثنا عن عذوبتها التي تشبه الطفولة، والأحلام السعيدة، والموسيقى الرقيقة، وإشراقة الصباح الوليد، والسماء المفعمة بالبشر، والليلة، والورد الندي، وابتسامة البراءة ترتسم على فم طفل وليد. وكل الصور التي أراد أن يمثل لنا بها ما يحسه في محبوبته من عذوبة تؤكد أنه إنما يتحدث عن عذوبة روحها. ثم إنه يمضي فيتعجب لوداعتها وجمالها، وللشباب الذي كساها نضارة ونعيماً، ولطهارة روحها التي تحمل العربيد المعاند على احترامها بل تقديسها، ولرقتها التي تكاد تحرك قلب الصخر الجامد، إنها بهذا كله تمثل صورة من الجمال العبقري.
وواضح أن الشابي في كل ما تحدث به عن محبوبته لم يتحدث عن أوصافها الحسية، حتى عندما يتوقف عند مظاهر الجمال الحسية ينقلها من مستواها الحسي إلى المستوى المعنوي، فيقول مثلاً:-
خطوات سكرانة بالأناشيد ,, وصوت كرجع ناي بعيد
وقوام يكاد ينطق بالألحان ,, في كـل وقـفة وقـعود
وهكذا عاش الشابي مؤمناً بالروح، في الطبيعة، في الفرد، وفي المجتمع، وإنه ليرى أنها موئل الجمال، ومصدر القوة وقوام الحياة، وهو لذلك لم يأل جهداً في العمل على إيقاظ روح الشعب من غفوتها، بل من نومها العميق.
* شعوره بالغربة وصلته بفنه:-
ربما خيل للشابي في وقت من الأوقات أنه يفني حياته عبثاً، وأنه يحترق من أجل الآخرين دون أن يتلقى منهم الاستجابة المشجعة، بل إنهم ربما أنكروه، و
إنه ليحزن لذلك أشد الحزن، ويألم غاية الألم. وقد كان هذا الإنكار حرياً أن يصرفه عن طريقه، ولكنه مع ذلك لم يكن يملك إلا أن يستمر وأن يجدد المحاولة. ويمعنون في ذلك الامهان فيصيبه اليأس أحياناً، ويتقوقع داخل شرنقة روحه، ويجتر آلامه وأحزانه، ثم يفضي بها بين الحين والحين.
وهنا يبرز أمامنا وجه جديد من وجوه تجربة الشابي، يلتقي فيه مع كثير من الشعراء الرومانسيين، ونعني بذلك (الشعور بالغربة).
والشعور بالغربة شعور حزين يورث صاحبه الكآبة وإن اجتمعت له كل أسباب اللهو والتسلي؛ ولهذا وجدنا الشابي وقد استبد به الحزن والأسى وقد قال بما معناه في إحدى قصائده:
أن الحياة مهما أقبلت بما يثير الضحك وينفس عن القلب فإن الكآبة تظل دائماً وأبداً مخيمة بنفسه.
وإنما جلب هذا الشعور إلى نفسه وفرضه عليها فرضاً ذلك التباعد بين رؤيته للأمور ورؤية الشعب لها، بين منهجهم في الحياة ومنهجه، فصاروا لذلك لا يتجاوبون معه، ولا يدركون مراميه البعيدة، وإذ كانت هذه الغربة مفروضة عليه كان من الطبيعي أن تورثه الشقاء، وهو يقرر هذه الحقائق حين يقول:-
يا صميم الوجود كم أنا في الدنيا غريـب أشقى بغربة نفسي
بيـن قوم لا يفهمـون أناشيد فـؤادي ولامعـاني بـؤسي
ويرتبط بشعور الغربة عند الشابي ويتولد عنه شعور بالملالة والسأم وذلك حيث تصبح الحياة على - رحابتها وتنوعها وثرائها – مجرد صورة مكررة وأشكال معادة. وهذه الملالة، وهذا السأم إنما يتولدان في نفس الفنان عندما تقفر الحياة الاجتماعية من التجارب الجديدة المثيرة، ويستبد العرف والتقاليد البالية بسلوك الناس وعلاقتهم ببعضهم البعض، عند ذلك يحس الفنان أنه إنما يعيش في سجن.
* عوامل خاصة أثرت في فنه:-
لقد تضافرت على تشكيل تجربة الشابي إلى جانب هذه الظروف الاجتماعية عناصر تتعلق بحياته الخاصة، وعلاقته بأقرب الناس إليه، بالفتاة التي أغرم بها في مستهل تفتحه الوجداني ثم اخترمها الموت، وبأبيه الذي كان يسبغ عليه من عطفه ورعايته، ويحمل عنه عبء الحياة، ثم إذا به يودع الحياة مخلفاً له تركة من الأعباء والمسؤوليات. ثم بزوجته التي لم يكن – فيما يبدو – يرى فيها تحقيقاً للمثل الذي ينشده في المرأة، وأخيراً في العلة التي أصابت قلبه، وهي العلة التي مات بها.
وحين اشتدت بالشابي العلة نصح له الطبيب بالكف عن الانفعال والعمل حتى يبرأ، ولكن روحه المتوثبة لم تستجيب لذلك النصح، وظل يرهق قلبه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
ومن الطريف أن نجد شاعرنا والموت يتسلل إلى قلبه شيئاً فشيئاً قد أدرك نهايته، ولكنه - لإيمانه ببطلان الحياة – راح ينظر إلى الموت بوصفه تجربة جديدة كان فيها خلاصه؛ وهو من أجل هذا يقبل عليه وكأن دافعاً غامضاً في أغوار نفسه يسوقه إليه.
إن الشاعر الذي "أراد" الحياة ذات يوم يفسح في الطريق لإرادة الموت، ولكنه في الوقت نفسه يحول الموت إلى تجربة إنسانية حية، فيقول:-
جف سحر الحياة يا قلبي الد ,, مي فهيا نجرب الموت هيا
وهكذا استعجل الشاعر موته، ففقدت الحياة بفقده واحداً من القلائل الذين أفنوا عمرهم في حبها والإخلاص لها، وفقد فيه الشعر فناناً أصيلاً مبدعاً. ولئن لم تكن قيمته الحقيقية قد تحددت على المستويين الوطني والقوم في حياته لقد أخذ صوته يتردد على مر الأيام في مختلف أرجاء الوطن العربي، وبرزت قيمته بوصفه مناضلاً خلاقاً، وفنانً مبدعاً، وثائراً رومانسياً من الطراز الأول.
* عناصر شخصيته
خلق شخصية الشابي العجيبة أربعة عوامل واضحة المعالم في حياته وفي أحواله النفسية ثم في اتجاهه الفكري وفي شعره:
1- مرضه: وعن مرضه نشأ تشاؤمه وسويداؤه وشدة انفعاله حيناً بعد حين.
2- حالته المادية: وعنها نشأ ضغط أعباء الحياة وتكاليفها عليه فحرمته كثيراً من الحرية التي كان يجب أن يتمتع بها.
3- مطالعاته: وهي التي طبعت نفسه وشعره بعناصر من الخيال والانفلات والنقمة ثم أدخلت على شعره شيئاً من الجدة والطرافة.
4- حال بلده تونس: في البؤس الاجتماعي والتخلف الثقافي والضعف السياسي، مما خلقه الاستعمار الفرنسي.
ولقد أضيفت هذه العوامل إلى عبقرية أصيلة وشاعرية فياضة فإذا نحن أمام شخصية فذة ولكنها هائمة مضطربة، عاجزة ولكنها متمردة طموحة.
كان أبو القاسم الشابي ضعيف البنية نحيف الجسم مديد القامة، ثم زاده المرض في إبان النمو الطبيعي نحولاً وضعفاً. وكذلك كان ذكياً حاد الذهن سريع الانفعال. وكان فوق ذلك رضي الخلق بشوشاً قانعاً بما وصل إليه من عرض الحياة الدنيا. متواضعاً خجولاً كثير التسامح في
معاملة أصدقائه وخصومه، رقيق الطبع لطيف المعشر خافت الصوت عند التحدث، قليل التكلف في حياته الخاصة وحياته العامة. وقد كانت تعلو وجهه دائماً مسحة من الكآبة والوجوم، برغم المرح الذي كان يحاول اصطناعه في جميع الأحوال والأحيان. ذكر الخليوي انه زار الشابي مرة برفقة مصطفى خريف فلقيا منه ملاطفة وإيناساً برغم انه كان في ذلك الحين يصارع الموت ويغالب الآم النزع.
* خصائصة الفنية
نظم الشابي أشعاره في مدى ثماني سنوات أو عشر سنين في الأكثر. مما يلفت النظر أن الشابي ظهر فجأة كشاعر تام النضج كما يقول الخليوي أو على شيء كبير من النضج على الأصح وخصوصاً إذا قيس بأنداده المعاصرين حتى أولئك الذين كانوا أكبر منه سناً. والشابي شاعر وجداني، خالص، وهو على صغر سنه شاعر مكثر مجيد، ولقد أجمع الدارسون على أن الشابي قد طبع شعره على غرار المذهب الرومانسي. نشر مصطفى ربج سلسلة مقالات في مجلة الأسبوع التونسية عنوانها " الرومانتيكية والشابي " ثم جمعها في كتاب اسماه " شاعران" ولقد رأي مصطفى رجب الخصائص الرومانيكية تبرز عند الشابي في: اللفظة – العبارة – الأسلوب – القالب – الدعوة إلى الطبيعة – الاستماع إلى النفس – توسيع دائرة الشعر – ابتكار المواضيع – مسايرة روح الموضوع – تأثر العالم الداخلي بالعالم الخارجي – النزعة الإنسانية. جرى الشابي في شعره على أسلوبين: أسلوب فخم متين النسج جاء به في طوره الأول في الأكثر وخص به قصائده في الحكمة والرثاء والفخر، ثم أسلوب لين سلس جاء به في القصائد التي طواها على أغراضه الوجدانية والخيالية. وكان من الطبيعي أن تضم قصائده التي على الأسلوب الأول ألفاظاً جزلة وألفاظاً غريبة وأن تكون متخيرة تدل على إحاطة بالقاموس العربي إلى حد كبير.
والشابي كأمثاله من الناقمين على عمود الشعر العربي، وعلى الحياة العربية الأصلية، أراد أن يتجنب الألفاظ الإسلامية النفحة العربية الملامح ليتبدل بها ألفاظاً وثنية الأصل عامية الاستعمال، وخصوصاً في طوره المتأخر.
وتراكيب الشابي كألفاظة تجري مجريين: مجرى أساليب العرب ومجرى آخر كثير التحرر والانفلات من أساليب العرب يجب أن يكون التركيب صحيحاً متيناً. ونعني بالتركيب الصحيح
أن تجري الجملة على أساليب العرب في الترتيب ووجوب التقديم والتأخير أو جوازهما وفي الإضمار وما إلى ذلك.
أناقة التعبير ورصانته وأصالته هي الدعائم الأولى التي يقوم عليها أسلوب الشابي الذي امتاز ببعده عن الركة1(الركاكة) التي أخذت على كثيرين من شعراء المدرسة الحديثة. وقد أخذ التليسي جانباً من قصيدة " تونس الجميلة " للشاب ثم علّق عليها بقوله: تقوم الرومانسية على الإيمان بالعاطفة وتقديس الشعور والاستخفاف بالعقل والتهوين من شأنه بل تحقيره لأنه يصيب الحياة بالجفاف فيفقدها أجمل ما فيها وأجمل ما فيها كان نتاجاً للعاطفة. وقد كانت العاطفة كل شيء في حياة هذا الشاعر الرومانسي (الشابي).
الشابي خيالي التفكير خيالي التعبير يبحث عن مثل أعلى من صنع هذا الخيال فلا يجده في العالم الذي يعيش فيه فينقلب شاكياً باكياً ثم تصطبغ آراؤه وتعابيره بالأسى والحزن والكآبة والوجوم. أن التصور عند الشابي قد كان صادقاً حقيقاً لمن عاشرهم وسكنوا نفسه وانطبعوا في روحه وهي أشباح لأناس حقيقياً لا خياليين فما كان أبوه رمزاً خيالياً ولا كانت عشيرة صباه بجنة شاعر أو حلم كاذب2 .
وكان للشابي خيال مولد موغل في الغرابة يصطنع من الأمور العادية مشاهد وقصصاً. ونحن عادة لا نقدر الأخيلة بما فيها من المادة بل بما فيها من الصور وبالقران الذي بين تلك الصور.
الجد يغلب على ديوان الشابي ولا ريب في أن اتجاه الرجل كان جدياً حزيناً ولكن يبدو أن الشابي كان في أيام تلمذته قبل أن يعلم مرضه أو قبل أن يدرك خطورة مرضه يميل إلى الهزل والمعابثة ككل شاعر آخر أو ككل إنسان في صباه.
أغراض الشابي محدودة في نطاقها فهي تدور في الوجدانيات وما يتبعها من التأمل في الحياة وكان الشابي منذ طوره الأول قد قال إنه عازف عن الفنون المألوفة التقليدية مكـتف بما يعبرّ فيه
1-يقصد الركاكة.
2-زين العابدين السنوسي في كتابه أبو القاسم الشابي.
عن شعوره، فإذا أغراض الدائرة في ديوانه التأمل في الحياة الطبيعية (الغابة، العصفور، الزنبقة، الخريف، المساء)، وفي الحياة الاجتماعية (السياسية والوطنية والحياة الأدبية)، وفي الحياة الماورائية (الله، الموت)، ثم موضوعات الوجدانيات (رثاء أبيه ، المجد)، والموضوعات النفسانيات (الكآبة، الشعر، الأمومة والطفولة)، ثم الغزل والحب.
* موضوعات الشابي الشعرية
كانت قصائد الشابي تدور حول موضوعات مختلفة وكلها من صميم تجاربه وخبراته، فهو لم يكتب إلا ما كان يحس به في داخله، فقد ظهر حبه العميق، المفرط في عمقه، على سطح كلّ بيت شعر كتبه، وكل قصيدة قالها. وبدا للناس عارياً شفّافاً، لمِا يتسم به من طلاوةٍ وصفاء وطهارة:
أيها الحب أنت سِــرُّ بلائـي ,, وهمومـي، وروعـتي، وعنائي
ونحولـي، وأدمعـي، وعـذابي ,, وسقامـي، ولوعـتي، وشقائي
أيها الحبّ قد جَرَعـتُ بك الحز ,, ن كؤوساً، وما اقتنصت ابتغائي1
وتبلغ رقته قمتها، عندما يخاطب التي يحبها:
أنتِ ما أنتِ؟ أنت رسمٌ جـميلٌ ,, عـبقـريّ من فنّ هذا الوجود
أنت روحُ الربيـعِ تختال في الدذ ,, يا فـتهـتـزُّ رائعـاتُ الـورود
وتهبُّ الحياةُ سكـرى من العطر ,, ويدوي الوجودُ بالـتـغـريدِ
كلما أبصرتْكِ عـينـايَ تَمْشِّين ,, بخطـوٍ مـوقّع كـالنشــيـد
خفق القلبُ للحياة ورفّ الزهـرُ ,, في حقلِ عــمريَ المجــرود
وانتشتْ روحي الـكئيبةُ بالحبِّ ,, وغـنّتْ كالبـلبـلِ الغـريـد2
1- قصيدة أيها الحب، من المقطوعات وعدد أبياتها عشرة أبيات وتاريخها أغسطس 1924.
2- صلوات في هيكل الحب – سبق الحديث عنها.
هذه أحاسيس شاعر يُعرف ما يضطرب في قلبه، ويعبر عنه بصفاء يبلغ حدّ الإشراق، ولا يخالجه ظلّ من وهج البيان"، وإنما هو وهج العاطفة، الذي يشيع في هذه الكلمات. وشأنه في هذا، ينتظم جميع الموضوعات، التي تناولها في شعره، ومعظمها من "الوجدانيات"، التي يمتزج فيها الحبّ، عادة بالتأمل والذكرى، وتظهر فيها روابط الحياة النفسية بمظاهر الطبيعة. وقد تكون قصيدته "الصباح الجديد" مثالاً لما يتردد في وجدانه من معانٍ وأخيلة وصور، ثم لما يأخذ به في حياته الوجدانية من أفكار، ويفرض عليها من اتجاهات، في نفسه وفي الطبيعة، وهو في هذه القصيدة كأنما ينعى نفسه بنفسه ويودع عالمه وما فيه من أحزان وشجون. ومع أنه يوحي في أول القصيدة أنه ودع هذا العالم إلا أنه في آخرها يصرح أنه في طريقه إلى عالم لا هموم فيه ولا شجن ولا ألم، إنه عالم الموت:-
اسـكني يـا جـراحْ واسكتي يا شـجـونْ
مات عـهدُ النـواح وزمـان الـجـنـون
وأطــل الصبــاح مـن وراء القــرون
في فـجـاج الـهوى قـد دفـنت الألــم
ونثـرت الـدمـوع لـريـاح الـعــدم
واتـخذت الـحيـاة مـعـزفـاً للـنغـم
أتـغـنـى عـلـيه في رحـاب الـزمـن1
ومأساة الشابي، أنه انطوى في تجاربه النفسية القاسية، على "مفكر" عميق التفكير، فكان لا يكتفي بأحاسيسه، وإنما يحاول دوماً أن يوجهها، أن يصرفها عن المرارة، أن يميل بها إلى "الحياة"، وهي التي انصرفت بطبيعتها نحو الأسى والكآبة، ووقفت عند "الموت" لا تريم، ولا تحول عنه ولا تزول. وهذا هو معنى قصيدته "إرادة الحياة"، التي شاعت وانتشرت، وأحبها كل قارئ عربي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد للـيل أن ينجلـي ولا بد للقيد أن ينكـسر
1- كتبت في أبريل 1934 وهي من رقيق شعر الشابي المثقل بالمأساة والحزن.
وهذا هو أيضاً معنى ديوانه كله، وقد جعل عنوانه "أغاني الحياة". وهو معنى شاعريته نفسها في صميم العذاب، الذي أطبق على حياته، منذ أحب تلك التي ماتت، إلى أن أصيب بالداء العضال في قلبه. ذلك أن الآلام التي عاناها أبو القاسم، كان من شأنها أن تصدّه عن الحياة، عن الحب والأمل، عن كل ما هو فرح ومتعة وحماسة، ولكن قوة نفسه، وصلابة عوده، وتعلقه الأصيل بما يسمو على الأوصاب والآلام، أمور أيقظته على الفن الشعري لا في كيانه فحسب، بل في العالم كله، ونهض وسط آلامه من جهة، وتعلقه بالحياة من جهة، "شاعرا" يحدّث نفسه عن أفراح الدنيا وجمالها، ويتحدث إلى الدنيا عن عذابه وكآبته، وبهذا كان أقرب الناس من أبناء الشرق، إلى بيتهوفن الذي وفّق إلى استخدام الآلام جسراً عبر عليه إلى الفرح، من طريق الموسيقى، والشابي استخدم الموت الذي عرفه في فقد حبيبته، ثم في فقد والده، ثم في التفافه عليه حين مرض، سبيلاً إلى الحياة عن طريق الشعر:
في فؤادي الرحيب معـبد للجـمـال
شـيّدتـه الحيـاة بالرؤى والخيـال
فـتلوت الصـلاة في خشوع الظلال
وحـرقت البخور وأضأت الشمـوع
إن سحر الحـياة خـالـدٌ لا يـزول
فعــلامَ الشّكـاة من ظـلامٍ يحـول
ثم يأتـي الصباح أن تقـضّى الربيع
سوف يـأتي ربيع وتمـرُّ الفصـول
قيل عن بيتهوفن: إنه كان يحمل روح نيتشه بين جنبيه، لما أظهر من بطولة في تحمل العذاب، وجلد على المكاره، وقيل عن الشابي كذلك: إنه تأثر بنيتشه وآرائه، غير أن الحقيقة هي أن الشابي لم يصدر في شعره، وفي أفكاره، إلاّ عما أحسّ وجرب.
* الشابي والموت
كان الموت من أهم التجارب في حياة الشابي، ذلك أنه أحسه في أقرب الناس إليه، وفي فترة باكرة من حياته. ففقد في أول حياته الفتاة، التي أحبها. ماتت وهي برعماً لم يتفتح، ماتت
وهو يشتاق إلى التمتع بظلها. وكان من أثر هذه الفاجعة في كيانه، أن تفجرت في حناياه بواعث العذاب، وانطوى قلبه على أسى لا سبيل فيه إلى عزاء، وأضطرم فكره بمعنى "الموت"، وما يواكب هذا المعنى من وحشية وهول وظلام وفراغ واكتئاب، وقلق وتبرم بالوجود من ألفه إلى يائه:-
بالأمس قد كانت حــياتي كالسـماء الباسـمةْ
واليوم قد أمست كأعمـاق الكهـوف الواجـمةْ
قد كان لي ما بين أحلامــي الـجميـلة جـدول
يـجري به مــاء المحبـّة طاهـراً يتسـلـسـل
هـو جدول قد فـجّـرت ينبـوعـه في مهجتـي
أجفـان فاتنـة أرتنـيها الحـيـاة لـشقــوتـي
أجفـان فاتـنة تراءت لـي علـى فـجر الشبـاب
كـعروسـة من غانـيات الشعر في شفـق السحاب
ثم اختـفت خلـف السمـاء وراء هاتيـك الغيـوم
حيث العـذارى الخـالدات يمسن ما بيـن النجـوم
ثـم اخـتـفـت أواه! طائـرة بـأجنـحة المنـون
نحو السمـاء وها أنـا في الأرض تمثـال الشجـون!
ويبدو أن هذه الصدمة (موت الفتاة التي أحبها)، أساءت أبلغ الإساءة إلى مصيره كله، فاضطر أهله إلى "تزويجه" في سن مبكرة لينصرف عن أوهامه وتأملاته الحزينة، ويسلو آلامه، وقَبِلَ هذا "الحل" لمشكلة حبه. ولكن المشكلة كانت تزداد في نفسه تعقيداً، فلم يهنأ بزواجه، ولا
وفق إلى سلوان عذابه! ثم فاجأه الموت ثانية بفقد أبيه، وتحولت التبعات التي كان يحملها أبوه إلى كاهله، فأثقلته، وهو الذي كان ينوء بما يحمل، فرزح، واعتلت صحته، وأصيب ـ كما قرر أطباؤه ـ بانتفاخ في القلب، جعله يتنقل من مكان إلى مكان، طلباً للشفاء، ولكن عبثاً، فقد أصاب الداء منه مقتلاً، ولم يلبث أن فارق الدنيا، وهو في ميعة العمر...!
3- الخاتمة:-
تدور أشعار أبي القاسم في إطار، أكثره من هذه التجارب: الحب اليائس، الذكريات الطليّة، العذاب النفسي، التأمّل الكوني، الانحطاط الاجتماعي. وليس في تاريخ الشعر العربي شاعر عبّر عن حياته بصدق، وتمثل في شعره ما كان يجول في كيانه الداخلي والخارجي، مثل أبي القاسم. فهو لم "يتعمّد" قط أن يكون شاعراً، وإنما ساقته تجاربه سوقاً نحو هذا الفن، وهي التي ألهمته كلّ ما قاله، ولم يُضِف إليها شيئاً من عنده.
وقد استعرضنا – بعون الله وبحمده- خصائصه الشعرية والعوامل التي أثرت على ذلك بشكل كبير حيث انعكس كل ذلك على ما كتبه وأتحف به القراء لجمال أبيات قصائده وعذوبتها، وأرجو أن نكون قد وفقنا في ما قمنا بعمله.
4- المراجع:-
- اسم الكتاب: "أبو القاسم الشابي" رحلة طائر في دنيا الشعر.
المؤلف: عبد العزيز النعماني. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى محرم 1418هـ - مايو 1997م.
دار النشر: الدار المصرية اللبنانية.
- اسم الكتاب: الأدب والنصوص (للصف الثالث الثانوي).
المؤلفون: د. حسين نصار، د. عز الدين إسماعيل، محمد الشناوي، يوسف الحمادي.
تعديل: زغلول عبد الخالق الحفناوي، عبد الرحمن حامد الصوير، يوسف محمود العلوي.
مراجعة: أبو الحسن إبراهيم حسن.
تاريخ الطبعة: الطبعة الثالثة 1406هـ - 1986م.
دار النشر: دار المعارف – 1119- كورنيش النيل – القاهرة ج.م.ع.
- الإنترنت:-
*
http://alshaby.8m.com/alshaby*http://www.moqatel.com/mokatel/data...okatel1.7-2.htm
*
http://www.islamonline.com