الدولة الحديثة وإعادة التشكيل
تشكلت الدول الحديثة ومفاهيم الدستور والديمقراطية حول الثورة الصناعية، وينظر إلى الثورة الفرنسية (1789) والثورة الأمريكية (1776) ثم الموجة الاستعمارية الكولونيالية للعالم والثورة الشيوعية والحركات القومية والتحررية ونشوء المدن الكبرى والهجرة العالمية والداخلية باعتبارها من التجليات والتطبيقات والأزمات التي صاحبت الثورة الصناعية، وتبلورت بعد سلسلة طويلة من التضحيات والحروب والصراعات والحركة العلمية والثقافية والفنية في دولة الرفاه التي ترعى المواطنين، ولكنها احتلت دور المجتمع وأضعفته، وضاعت في تلك المرحلة كثير من التجارب والخبرات المجتمعية التي كان يدير بها الناس وينظمون معظم احتياجاتهم.
ولكن العالم الذي يتشكل حول العولمة الاتصالية وتقنيات المعرفة بدأ يغير في دور الدولة والمجتمع، فيرد الاعتبار للمجتمع، وربما تكون الأفكار والتطبيقات في هذا المجال لم تأخذ بعدا ناضجا يمكن تقديمه، وفي غالب الأحيان فإنها مجموعة من الشكوك والحيرة والملاحظات والأسئلة، وهذا لا يقلل من أهميتها، ذلك أننا نواجه اليوم تحديات يومية جديدة لم تعد الأفكار والأدوات السابقة والعتيقة تفيدنا في معالجتها.
الحديث عن «نهاية الدولة» أو انهيارها بسبب العولمة والمعلوماتية والاتصالات والاعتماد الاقتصادي المتبادل مبالغ فيه، ومن كان يعتقد ذلك فليحاول تجنب دفع الضرائب، ولكن الدول تتكيف مع مرحلة جديدة، فتتخلى عن أدوار كانت تمارسها، وتتجه إلى مواقع وأعمال أخرى، وتعيد ترتيب وصياغة أعمال أخرى، ولكن يجب أن نتذكر أن الدولة فكرة حديثة، وأن المجتمع يسبقها بآلاف وربما عشرات آلاف السنين.
ربما تصلح الولايات المتحدة الأمريكية مثالا دراسيا على نشوء الدول الحديثة وتطورها، فهذه المجتمعات التي تشكلت من المهاجرين من أوروبا والعالم وجدت في الظروف السياسية والاقتصادية في القرن الثامن عشر أنها تنضج باتجاه تكوين أمة مستقلة، وقد كان بنجامين فرانكلين (أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية) يتوقع أن مركز الامبراطورية البريطانية سينتقل إلى أمريكا، ولكن الامبراطورية بدأت بالتلاشي، والولايات المتحدة بدأت بالنمو لتشكل امبراطورية بديلة مستقلة عنها، فقد تنامى عدد السكان وقامت مدن ومجتمعات واقتصاديات مستقلة وكبيرة، وفي عام 1775، العام الذي سبق إعلان الاستقلال كان نصف الشحن البحري الإنجليزي تقريبا مشغولا بالتجارة مع أمريكا، وبلغت نسبة مشاركة أمريكا الشمالية في الصادرات الإنجليزية 25%، ومنذ عام 1747 وحتى عام 1765 تضاعفت قيمة صادرات المستعمرات إلى بريطانيا، ولأول مرة لم يعد إنتاج بريطانيا من الغذاء يكفي لسد الحاجات المتزايدة للسكان، وكان هذا الارتفاع في الطلب على الغذاء في بريطانيا وجنوب أوروبا يعني ارتفاع الأسعار للصادرات الأمريكية، ومن ثم ارتفاع مستويات المعيشة لكثير من الأمريكيين.
ومع حلول منتصف القرن توصل العديد من المسؤولين البريطانيين إلى إدراك الحاجة لإحداث نوع من الإصلاحات في الامبراطورية، مثل إعادة تنظيم الأراضي المكتسبة من فرنسا وإسبانيا، والاحتفاظ بجيش ثابت في أمريكا، واحتاجت الامبراطورية لتغطية نفقاته إلى توفيرها من المستعمرات.
وكانت النفقات الهائلة التي واجهت الحكومة البريطانية مصدر تهديد للامبراطورية وتوتر في العلاقات الأنجلو أميركية، فشكلت ثلاث حكومات: شرق فلوريدا، وغرب فلوريدا، وكويبك، وفرضت رسوما واسعة جديدة على الواردات والطوابع والوثائق القانونية والصحف مما أثار سخطا وتمردا واسعا في المستعمرات، وبدأ موضوع الاستقلال يطرح بجدية وعلى نطاق واسع.
وأدى التمرد على القوانين والضرائب الجديدة التي فرضتها بريطانيا إلى نشوء سلطات محلية للمدن والأقاليم انتشرت في جميع أنحاء القارة، ثم شكلت هذه المجالس فيما بينها مجلسا تشريعيا على مستوى القارة، والذي تشكل من 55 مجلسا منتشرا في 12 مستعمرة.
وقرر الملك ومؤيدوه بأنه لا مفر من استخدام القوة العسكرية، وابتدأت المواجهة في ماساتشوستس عام 1775، وشكل المؤتمر الأمريكي جيشا مركزيا، وعين جورج واشنطن قائدا عاما لهذا الجيش، وأعلن استقلال القارة الأمريكية في الرابع من يوليو عام 1776.
وأعد الأمريكيون دستور بلادهم الذي عكس الرغبة في الحرية ومواجهة الطغيان، فكانت سلطات الحكام المنتخبين محدودة وتخضع للبرلمان «الكونغرس»، وشكلت سلطة مركزية على مستوى القارة تتمتع بإدارة الشؤون الخارجية والمعاهدات وشن الحرب.
وبهذا امتلكت الولايات المتحدة الأمريكية معنى حرفيا، فمثلت الكونفدرالية تحالفا بين ولايات متعاونة ذات سيادة أكثر منها حكومة واحدة، وكانت فكرة النظام أو الحكم الجمهوري تعد متطرفة في القرن الثامن عشر مثل تطرف فكرة الماركسية في القرن التاسع عشر، فقد عنت أكثر من إزالة ملك وتأسيس نظام حكومي انتخابي، وكانت الثورة الأمريكية في نظر مثقفيها ليست مجرد انفصال عن بريطانيا، ولكنها شعلة الحضارة التي امتدت عبر الأطلنطي إلى العالم الجديد.
المساواة ـ الفكرة الأكثر قوة في كل التاريخ الأمريكي ـ تنبأت بنهاية النزاع المستمر على المركز والرتبة، والخلاف المر للتحزب السياسي الذي ابتليت به المستعمرات، ولذلك كان تأكيد جيفرسون في «إعلان الاستقلال» بأن كل الرجال خلقوا متساوين، واعتبر ذلك فيما بعد «فطرة» العصر، فقط التعليم والتهذيب هما العاملان اللذان يفصلان رجلا عن آخر و إنساناً عن آخر تلك الفكرة التي كانت الأكثر ثورية في القرن الثامن عشر، وفي الحقيقة في كل الفكر الحديث.
هذه الدولة التي تشكلت من رحم الإمبراطورية البريطانية وتحولت إلى قوة عظمى وريثة لبريطانيا هل ينشأ اليوم من رحمها دولة جديدة على أسس قد تبدو متطرفة كما كانت الجمهورية فكرة متطرفة؟
المصدر:
http://www.al-sharq.com/DisplayArticle.asp...=ibrahimgaraiba