اللهم صلِ على محمد وآل محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من منكم لم يرى هذه الصور الاليمة - فقد عرضت في جميع وسائل الاعلام
ولد يبكي على امه لحظة موتها
منظر الدم
ادمع العيون




لكن....
سبحان الله
تغير كل شئ
وعادت البسمة الى وجه ذلك الولد
وامه ايضاً

والحمد لله رب العالمين
**********************
<يا ماما، يا ماما، يا ماما ما تموتي>. كان هو يصرخ، ويبكي، وأمه ملقاة في حضنه. تناول قطعة من منديل رأسها، ربط يدها المصابة وكتفها، وراح يصبرها <طولي بالك يا ماما، الصليب الأحمر جاي>. هي كانت تشعر أنها تنازع. شعرت بالموت يدنو منها، فهمست لابنها <دير بالك على أخيك عباس. أنا بدي موت> ثم قلبت عينيها وغابت عن الوعي. خبط جبينه بيده، وصار يصرخ <ماما، يا ماما> وهو يحضنها.
هو اسمه علي يحيى شعيتو.
هي اسمها منتهى شعيتو.
لم يدر علي أن أمه لم تمت إلا بعد وصول الصليب الأحمر.
اليوم، تقول منتهى أنها تشعر أنها كمن كان بين الأموات وعاد إلى الحياة.
كان علي، ابن الثالثة عشرة، يخاف رؤية الدم إذا جرح يوما وهو يلعب في حقول الطيري. يركض إلى المنزل مناديا أمه وهو مرعوب. من أين أتته تلك القوة وذلك الصبر؟
تبدأ القصة من القرية، من الطيري، يوم الثالث والعشرين من تموز الماضي. كانت أسرة يحيى شعيتو قد تفرقت من جراء القصف على القرية: الوالد في منزل ومنتهى (38 عاما) والأولاد غدير (14 عاما) وعلي وعباس (12 عاما) في منزل آخر. انقطعت كل سبل الاتصال في القرية، كما تروي منتهى، <ولم نكن نعرف من بقي حيا منا. لم يكن بإمكان أي منا أن يصل ولو إلى المنزل المقابل>.
يومها، تمكن صهر منتهى من تأمين فان لاخراج أسرتها ووالدتها وأخواتها وأولادهم من القرية. 18 شخصا من أسرة واحدة كانوا على متن الفان.
كان عباس، ابن منتهى، يرتدي قميصا أبيض. طلبت أمه أن يخلعه وعلقوه من نافذة الفان، ظنا منهم أن ذلك سيحميهم من نيران العدو ومقاتلاته.
جلست منتهى في مقدمة الفان، خلف السائق مباشرة، تتكئ على كتف أمها. كان الأولاد في الخلف.
في آخر كفرا ضربهم الصاروخ. في منتصف الفان، أتاهم من السقف.
يقول الأولاد أنهم لم يسمعوا له صوتا، أو صوت الطائرة. سقط عليهم فجأة، هكذا.
لحظات مرت من دون أن يعي أحد ما حصل. كانت كل الوجوه ملطخة بالدم . لا أحد منهم يشبه نفسه.
تمكن علي وعباس من النهوض. عباس كان مصدوما، جلس بلا حراك أو صوت على الرصيف. صار صهر منتهى مصباح (52 عاما) ينتشل الجرحى من السيارة. أما علي فقد انتشل غدير من الفان ووضعها على ركبتي أخيه. ثم عاد وسحب أمه التي كان نصفها الأعلى قد أضحى خارج السيارة من قوة الضربة.
تروي منتهى <لم أع كيف سحبوني، أو أي شيء آخر. لم أشعر حتى بالألم، كانت الضربة مازالت سخنة. لا أذكر إلا صوت غدير ابنتي وهي تقول لي <شوفي خدي كيف وقع وشوفي اصبعي كيف راح>.
<ربط علي الايشارب على يدي وكتفي وقال لي يا ماما طولي بالك. كان عمه قد اتصل بالصليب الأحمر. ثم قلت له دير بالك على أخيك عباس أنا بدي موت. قلبت عينيي وغبت عن الوعي فخبط على رأسه ظنا أنني مت. عبطني وصار يصرخ <يا ماما يا ماما> حتى وصل الصليب الأحمر وطمأنوه اني لم أمت>.
أصيبت منتهى في رأسها وكتفها وفخذها. كسرت ذراعها وكادت تبتر. جنبها الأيسر كان ملتصقا بوالدتها التي استشهدت. خضعت لإحدى عشرة جراحة، منها سبع في ذراعها التي كانت بلا عظام. جمع ما جمع مما تبقى من العظم وثبت لها سيخ معدني، ثم زرع لحم من الفخذ. وبعد أسبوعين من اليوم، ستخضع لجراحة زرع عظم أخرى.
<عباس كان في حال صدمة. كان يجلس يرى كل ما يحصل وهو مصدوم من دون أن يقول أي كلمة. غدير أصيب خدها ويداها وصدرها وقطع اصبعها>.
تروي منتهى تفاصيل الحادثة على الرغم من أنها لم تعها لدى حصولها. تقول<أمي استشهدت قربي ولم أر ما حصل لها. هل أنّت، هل توجعت؟ بقيت أمي تسعة أيام في الفان قبل أن ينتشلوها>.
لا تذكر منتهى إلا ما قالته لها غدير. غدير أيضا لا تذكر شيئا، لا تذكر حتى ما قالته لأمها. تقول منتهى أن عليا وعباس رأيا كل شيء.
علي وعباس رأيا كل شيء. عباس يضحك ويتهرب من الكلام <أنا كنت بحالة صدمة ما بتذكر شي>.
أما علي، الذي أصيب في رجله ويده ووجهه وصدره كما عباس، فيقول <بعد الصاروخ كان الكل في الفان. أنا أخرجت غدير ووضعتها على ركبتي عباس ثم رأيت الماما وقعت من الفان، سحبتها ووضعتها قربهما. قلت لها ما تخافي الصليب الأحمر آت. ما تموتي. كنت حاسس انها ستموت. سمعتها تقول لابنة خالتها صباح <هول اولادي امانة معك> فقلت لها <لأ ما تموتي> وربطت يدها بالايشار. غميت ففكرتها راحت>.
تقول منتهى <أول مرة زارني علي بعد الحادثة، لم أكن قد رأيت الصور بعد. عبطته وقبلت يديه وسألته كيف سأكافئك لأنك أسعفتني وربطت لي يدي وكتفي. صرت أقبله وأشمشمه والله يقدرني على مكافأتك قلت له. عندما رأيت الصور، لم أصدق أن عليا ساعدني. هو كان يخاف الدم كثيرا ولا يحتمل رؤيته. كيف ألهمه الله القوة والصبر لا أعرف>. يتصرف علي ويتحدث كأن ما حصل هو أمر عادي، يهرب من تفاصيل الحادثة، وما تركته فيه من أثر. يلهي نفسه طول اليوم. يقول أن ما يميزه عن الأطفال الآخرين هو أنه يلعب أكثر منهم. لكن عمته تفضحه تلعب؟ مش كل يوم بتروح بدك تتعلم صنعة جديدة ؟ يوم عند سنكري يوم في كاراج>.>. وتضحك. يضحك علي أيضا. مرة واحدة بدا الألم في عينيه. لما سئل إن كان سيغفر يوما.<لن أسامح ولن أنسى>
قال. تقول عمته أنه صار يتفادى النوم وحده. ينتظر من ينام معه في الغرفة.
ما الذي يطمح اليه ولد في الثالثة عشرة من عمره، كاد يفقد أمه بين يديه ذات يوم على الطريق في آخر كفرا؟
ماذا تريد أن تكون عندما تكبر يا علي؟
<مجاهد>.
<وأنا أيضا، سأصبح مجاهدة>، تقول غدير .
ينظر علي صوبها ويقول <إيه، إنت بتصيري تصنعي الصواريخ وتناولينا اياها>.
جريدة السفير