المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
عرب 301
الواحات الطلاّبية > المرحلة الثانوية > واحة الدراسات التجارية
الطالب الذكي
اريد اي موضوع من المواضيع الآتية:

1. المقاااال
2. الموشحات الاندلسية
3. جبران خليل جبران
4. عباس محمود العقاد
5. الشاعر يوسف حسن
6. عمر ابي ريشة
7. لسان الدين الخطيب
8. محمد جابر الأنصاري
9. يوسف الشاروني
10. سعيد عبااس

الشروط:
لايقل عن 8 ولا يزيد عن 12
وجود مقدمة وعرض وخاتمة.
وجود هوامش.
المراجع.
الفهرس

وشكرا مقدماً

alsayda
جبران خليل جبران

ولد هذا الفيلسوف والأديب والشاعر والرسام من أسرة صغيرة فقيرة في بلدة بشري في 6 كانون الثاني 1883. كان والده خليل جبران الزوج الثالث لوالدته كميلة رحمة التي كان لها ابن اسمه بطرس من زواج سابق ثم أنجبت جبران وشقيقتيه مريانا وسلطانة .

كان والد جبران راعيا للماشية، ولكنه صرف معظم وقته في السكر ولم يهتم بأسرته التي كان على زوجته كميلة، وهي من عائلة محترمة وذات خلفية دينية، ان تعتني بها ماديا ومعنويا وعاطفيا. ولذلك لم يرسل جبران إلى المدرسة، بل كان يذهب من حين إلى آخر إلى كاهن البلدة الذي سرعان ما أدرك جديته وذكاءه فانفق الساعات في تعليمه الأبجدية والقراءة والكتابة مما فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب.

وفي العاشرة من عمره وقع جبران عن إحدى صخور وادي قاديشا وأصيب بكسر في كتفه اليسرى ، عانى منه طوال حياته.

لم يكف العائلة ما كانت تعانيه من فقر وعدم مبالاة من الوالد، حتى جاء الجنود العثمانيون يوم (1890) والقوا اقبض عليه أودعوه السجن، وباعوا منزلهم الوحيد، فاضطرت العائلة إلى النزول عند بعض الأقرباء. ولكن الوالدة قررت ان الحل الوحيد لمشاكل العائلة هو الهجرة إلى الولايات المتحدة سعيا وراء حياة أفضل.

عام 1894 خرج خليل جبران من السجن، وكان محتارا في شأن الهجرة، ولكن الوالدة كانت قد حزمت أمرها، فسافرت العائلة تاركة الوالد وراءها. ووصلوا إلى نيويورك في 25 حزيران 1895 ومنها انتقلوا إلى مدينة بوسطن حيث كانت تسكن اكبر جالية لبنانية في الولايات المتحدة. وبذلك لم تشعر الوالدة بالغربة، بل كانت تتكلم اللغة العربية مع جيرانها، وتقاسمهم عاداتهم اللبنانية التي احتفظوا بها.

اهتمت الجمعيات الخيرية بإدخال جبران إلى المدرسة، في حين قضت التقاليد بأن تبقى شقيقتاه في المنزل، في حين بدأت الوالدة تعمل كبائعة متجولة في شوارع بوسطن على غرار الكثيرين من أبناء الجالية. وقد حصل خطأ في تسجيل اسم جبران في المدرسة وأعطي اسم والده، وبذلك عرف في الولايات المتحدة باسم "خليل جبران". وقد حاول جبران عدة مرات تصحيح هذا الخطأ فيما بعد إلا انه فشل.

بدأت أحوال العائلة تتحسن ماديا، وعندما جمعت الأم مبلغا كافيا من المال أعطته لابنها بطرس الذي يكبر جبران بست سنوات وفتحت العائلة محلا تجاريا. وكان معلمو جبران في ذلك الوقت يكتشفون مواهبه الأصيلة في الرسم ويعجبون بها إلى حد ان مدير المدرسة استدعى الرسام الشهير هولاند داي لإعطاء دروس خاصة لجبران مما فتح أمامه أبواب المعرفة الفنية وزيارة المعارض والاختلاط مع بيئة اجتماعية مختلفة تماما عما عرفه في السابق.

كان لداي فضل اطلاع جبران على الميثولوجيا اليونانية، الأدب العالمي وفنون الكتابة المعاصرة والتصوير الفوتوغرافي، ولكنه شدد دائما على ان جبران يجب ان يختبر كل تلك الفنون لكي يخلص إلى نهج وأسلوب خاصين به. وقد ساعده على بيع بعض إنتاجه من إحدى دور النشر كغلافات للكتب التي كانت تطبعها. وقد بدا واضحا انه قد اختط لنفسه أسلوبا وتقنية خاصين به، وبدأ يحظى بالشهرة في أوساط بوسطن الأدبية والفنية. ولكن العائلة قررت ان الشهرة المبكرة ستعود عليه بالضرر، وانه لا بد ان يعود إلى لبنان لمتابعة دراسته وخصوصا من أجل إتقان اللغة العربية.

وصل جبران إلى بيروت عام 1898 وهو يتكلم لغة إنكليزية ضعيفة، ويكاد ينسى العربية أيضا.

والتحق بمدرسة الحكمة التي كانت تعطي دروسا خاصة في اللغة العربية. ولكن المنهج الذي كانت تتبعه لم يعجب جبران فطلب من إدارة المدرسة ان تعدله ليتناسب مع حاجاته. وقد لفت ذلك نظر المسؤولين عن المدرسة، لما فيه من حجة وبعد نظر وجرأة لم يشهدوها لدى أي تلميذ آخر سابقا. وكان لجبران ما أراد، ولم يخيب أمل أساتذته إذ اعجبوا بسرعة تلقيه وثقته بنفسه وروحه المتمردة على كل قديم وضعيف وبال.

تعرف جبران على يوسف الحويك واصدرا معا مجلة "المنارة" وكانا يحررانها سوية فيما وضع جبران رسومها وحده. وبقيا يعملان معا بها حتى أنهى جبران دروسه بتفوق واضح في العربية والفرنسية والشعر (1902). وقد وصلته أخبار عن مرض أفراد عائلته، فيما كانت علاقته مع والده تنتقل من سيء إلى أسوأ فغادر لبنان عائدا إلى بوسطن، ولكنه لسوء حظه وصل بعد وفاة شقيقته سلطانة. وخلال بضعة اشهر كانت أمه تدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية لاستئصال بعض الخلايا السرطانية. فيما قرر شقيقه بطرس ترك المحل التجاري والسفر إلى كوبا. وهكذا كان على جبران ان يهتم بشؤون العائلة المادية والصحية. ولكن المآسي تتابعت بأسرع مما يمكن احتماله. فما لبث بطرس ان عاد من كوبا مصابا بمرض قاتل وقضى نحبه بعد أيام قليلة (12 آذار 1903) فيما فشلت العملية الجراحية التي أجرتها الوالدة في استئصال المرض وقضت نحبها في 28 حزيران من السنة نفسها.

إضافة إلى كل ذلك كان جبران يعيش أزمة من نوع آخر، فهو كان راغبا في إتقان الكتابة باللغة الإنكليزية، لأنها تفتح أمامه مجالا ارحب كثيرا من مجرد الكتابة في جريدة تصدر بالعربية في أميركا ( كالمهاجر9 ولا يقرأها سوى عدد قليل من الناس. ولكن انكليزيته كانت ضعيفة جدا. ولم يعرف ماذا يفعل، فكان يترك البيت ويهيم على وجهه هربا من صورة الموت والعذاب. وزاد من عذابه ان الفتاة الجميلة التي كانت تربطه بها صلة عاطفية، وكانا على وشك الزواج في ذلك الحين (جوزيفين بيبادي)، عجزت عن مساعدته عمليا، فقد كانت تكتفي بنقد كتاباته الإنكليزية ثم تتركه ليحاول إيجاد حل لوحده. في حين ان صديقه الآخر الرسام هولاند داي لم يكن قادرا على مساعدته في المجال الأدبي كما ساعده في المجال الفني.

وأخيرا قدمته جوزفين إلى امرأة من معارفها اسمها ماري هاسكل (1904)، فخطّت بذلك صفحات مرحلة جديدة من حياة جبران.

كانت ماري هاسكل امرأة مستقلة في حياتها الشخصية وتكبر جبران بعشر سنوات، وقد لعبت دورا هاما في حياته منذ ان التقيا. فقد لاحظت ان جبران لا يحاول الكتابة بالإنكليزية، بل يكتب بالعربية أولا ثم يترجم ذلك. فنصحته وشجعته كثيرا على الكتابة بالإنكليزية مباشرة. وهكذا راح جبران ينشر كتاباته العربية في الصحف أولا ثم يجمعها ويصدرها بشكل كتب ، ويتدرب في الوقت نفسه على الكتابة مباشرة بالإنكليزية.

عام 1908 غادر جبران إلى باريس لدراسة الفنون وهناك التقى مجددا بزميله في الدراسة في بيروت يوسف الحويك. ومكث في باريس ما يقارب السنتين ثم عاد إلى أميركا بعد زيارة قصيرة للندن برفقة الكاتب أمين الريحاني.

وصل جبران إلى بوسطن في كانون الأول عام 1910، حيث اقترح على ماري هاسكل الزواج والانتقال إلى نيويورك هربا من محيط الجالية اللبنانية هناك والتماسا لمجال فكري وأدبي وفني أرحب. ولكن ماري رفضت الزواج منه بسبب فارق السن، وان كانت قد وعدت بالحفاظ على الصداقة بينهما ورعاية شقيقته مريانا العزباء وغير المثقفة.

وهكذا انتقل جبران إلى نيويورك ولم يغادرها حتى وفاته . وهناك عرف نوعا من الاستقرار مكنه من الانصراف إلى أعماله الأدبية والفنية فقام برسم العديد من اللوحات لكبار المشاهير مثل رودان وساره برنار وغوستاف يانغ وسواهم.

سنة 1923 نشر كتاب جبران باللغة الإنكليزية، وطبع ست مرات قبل نهاية ذلك العام ثم ترجم فورا إلى عدد من اللغات الأجنبية، ويحظى إلى اليوم بشهرة قل نظيرها بين الكتب.

بقي جبران على علاقة وطيدة مع ماري هاسكال، فيما كان يراسل أيضا الأديبة مي زيادة التي أرسلت له عام 1912 رسالة معربة عن إعجابها بكتابه " الأجنحة المتكسرة". وقد دامت مراسلتهما حتى وفاته رغم انهما لم يلتقيا أبدا.

توفي جبران في 10 نيسان 1931 في إحدى مستشفيات نيويورك وهو في الثامنة والأربعين بعد أصابته بمرض السرطان. وقد نقلت شقيقته مريانا وماري هاسكل جثمانه إلى بلدته بشري في شهر تموز من العام نفسه حيث استقبله الأهالي. ثم عملت المرأتان على مفاوضة الراهبات الكرمليات واشترتا منهما دير مار سركيس الذي نقل إليه جثمان جبران، وما يزال إلى الآن متحفا ومقصدا للزائرين.

مؤلفات حبران خليل جبران

هذه لائحة بأشهر كتب جبران وتاريخ نشر كل منها للمرة الأولى:

بالعربية:

الأرواح المتمردة 1908
الأجنحة المتكسرة 1912
دمعة وابتسامة 1914
المواكب 1918

بالإنكليزية:

المجنون 1918
السابق 1920
النبي 1923
رمل وزبد 1926
يسوع ابن الإنسان 1928
آلهة الأرض 1931
التائه 1932
حديقة النبي 1933
alsayda
العقاد.. رحلة قلم

(في ذكرى وفاته: 26 من شوال 1383هـ)

شباب وإباء

تبوأ العقاد مكانة عالية في النهضة الأدبية الحديثة ندر من نافسه فيها، فهو يقف بين أعلامها، وكلهم هامات سامقة، علمًا شامخًا وقمة باذخة، يبدو لمن يقترب منه كالبحر العظيم من أي الجهات أتيته راعك اتساعه، وعمقه، أو كقمة الهرم الراسخ لا ترقى إليه إلا من قاعدته الواسعة، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من المواهب والملَكَات، فهو كاتب كبير، وشاعر لامع، وناقد بصير، ومؤرخ حصيف، ولغوي بصير، وسياسي حاذق، وصحفي نابه، ولم ينل منزلته الرفيعة بجاه أو سلطان، أو بدرجات، وشهادات، بل نالها بمواهبه المتعددة، وهمته العالية، ودأبه المتصل، عاش من قلمه وكتبه، وترفع عن الوظائف والمناصب لا كرها فيها، بل صونًا لحريته واعتزازًا بها، وخوفًا من أن تنازعه الوظائف عشقه للمعرفة.

وحياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدءوب، صارع الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، واضطهاد الحكام، لكن ذلك كله لم يُوهِنْ عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له، خلص للأدب والفكر مخلصًا له، وترهب في محراب العلم؛ فأعطاه ما يستحق من مكانة وتقدير.

المولد والنشأة

في مدينة أسوان بصعيد مصر، وُلِدَ عباس محمود العقاد في يوم الجمعة الموافق (29 من شوال 1306هـ= 28 من يونيو 1889)، ونشأ في أسرة كريمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية، وحصل منها على الشهادة الابتدائية سنة (1321هـ= 1903م) وهو في الرابعة عشرة من عمره.

وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"قصص ألف ليلة وليلة"، وديوان البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والإفرنجية، وبدأ في نظم الشعر.

ولم يكمل العقاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، بل عمل موظفًا في الحكومة بمدينة قنا سنة (1323هـ= 1905م) ثم نُقِلَ إلى الزقازيق سنة (1325هـ= 1907م) وعمل في القسم المالي بمديرية الشرقية، وفي هذه السنة توفي أبوه، فانتقل إلى القاهرة واستقر بها.

الاشتغال بالصحافة


زيارة طلبة الكلية العسكرية للعقاد في مكتبه

ضاق العقاد بحياة الوظيفة وقيودها، ولم يكن له أمل في الحياة غير صناعة القلم، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة، فاتجه إليها، وكان أول اتصاله بها في سنة (1325هـ= 1907م) حين عمل مع العلامة محمد فريد وجدي في جريدة الدستور اليومية التي كان يصدرها، وتحمل معه أعباء التحرير والترجمة والتصحيح من العدد الأول حتى العدد الأخير، فلم يكن معهما أحد يساعدهما في التحرير.

وبعد توقف الجريدة عاد العقاد سنة (1331هـ= 1912م) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف، لكنه ضاق بها، فتركها، واشترك في تحرير جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي، فتركها وعمل بالتدريس فترة مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني، ثم عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة (1336هـ= 1917م) وكانت تَصْدُر بالإسكندرية، ثم تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (1338هـ= 1919م) واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتغلت بعد ثورة 1919م، وصار من كُتَّابها الكبار مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وأصبح الكاتب الأول لحزب الوفد، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأخرى، ودخل في معارك حامية مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأمة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة.

وبعد فترة انتقل للعمل مع عبد القادر حمزة سنة (1342هـ= 1923م) في جريدة البلاغ، وارتبط اسمه بتلك الجريدة، وملحقها الأدبي الأسبوعي لسنوات طويلة، ولمع اسمه، وذاع صيته واُنْتخب عضوا بمجلس النواب، ولن يَنسى له التاريخ وقفته الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه"، وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن سنة (1349هـ= 1930م) بتهمة العيب في الذات الملكية.

وظل العقاد منتميًا لحزب الوفد حتى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة ( 1354هـ= 1935م) فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطُه الصحفي يقل بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف روزاليوسف، والهلال، وأخبار اليوم، ومجلة الأزهر.

مؤلفات العقاد


المستقبل في عيون مفكر

عُرف العقاد منذ صغره بنهمه الشديد في القراءة، وإنفاقه الساعات الطوال في البحث والدرس، وقدرته الفائقة على الفهم والاستيعاب، وشملت قراءاته الأدب العربي والآداب العالمية فلم ينقطع يومًا عن الاتصال بهما، لا يحوله مانع عن قراءة عيونهما ومتابعة الجديد الذي يصدر منهما، وبلغ من شغفه بالقراءة أنه يطالع كتبًا كثيرة لا ينوي الكتابة في موضوعاتها حتى إن أديبًا زاره يومًا، فوجد على مكتبه بعض المجلدات في غرائز الحشرات وسلوكها، فسأله عنها، فأجابه بأنه يقرأ ذلك توسيعًا لنهمه وإدراكه، حتى ينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويقيس عليها دنيا الناس والسياسة.

وكتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل: مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول، واليد القوية في مصر.

ووضع في الدراسات النقدية واللغوية مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب "الديوان في النقد والأدب" بالاشتراك مع المازني، وأصبح اسم الكتاب عنوانًا على مدرسة شعرية عُرفت بمدرسة الديوان، وكتاب "ابن الرومي حياته من شعره"، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ورجعة أبي العلاء، وأبو نواس الحسن بن هانئ، واللغة الشاعرية، والتعريف بشكسبير.

وله في السياسة عدة كتب يأتي في مقدمتها: "الحكم المطلق في القرن العشرين"، و"هتلر في الميزان"، وأفيون الشعوب"، و"فلاسفة الحكم في العصر الحديث"، و"الشيوعية والإسلام"، و"النازية والأديان"، و"لا شيوعية ولا استعمار".

وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعية والنظم الاستبدادية، ويمجد الديمقراطية التي تكفل حرية الفرد، الذي يشعر بأنه صاحب رأي في حكومة بلاده، وبغير ذلك لا تتحقق له مزية، وهو يُعِدُّ الشيوعية مذهبًا هدَّامًا يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث، ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير.

وله تراجم عميقة لأعلام من الشرق والغرب، مثل "سعد زغلول، وغاندي وبنيامين فرانكلين، ومحمد علي جناح، وعبد الرحمن الكواكبي، وابن رشد، والفارابي، ومحمد عبده، وبرناردشو، والشيخ الرئيس ابن سينا".

وأسهم في الترجمة عن الإنجليزية بكتابين هما "عرائس وشياطين، وألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي".

إسلاميات العقاد


انعقاد مجمع اللغة العربية برئاسةلطفي السيد ولحظةانفعال من العقاد

تجاوزت مؤلفات العقاد الإسلامية أربعين كتابًا، شملت جوانب مختلفة من الثقافة الإسلامية، فتناول أعلام الإسلام في كتب ذائعة، عرف كثير منها باسم العبقريات، استهلها بعبقرية محمد، ثم توالت باقي السلسلة التي ضمت عبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعبقرية خالد، وداعي السماء بلال، وذو النورين عثمان، والصديقة بنت الصديق، وأبو الشهداء وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وفاطمة الزهراء والفاطميون.

وهو في هذه الكتب لا يهتم بسرد الحوادث، وترتيب الوقائع، وإنما يعني برسم صورة للشخصية تُعرِّفنا به، وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله، مثلما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين.

وقد ذاعت عبقرياته واُشتهرت بين الناس، وكان بعضها موضوع دراسة الطلاب في المدارس الثانوية في مصر، وحظيت من التقدير والاحتفاء بما لم تحظ به كتب العقاد الأخرى.

وألَّف العقاد في مجال الدفاع عن الإسلام عدة كتب، يأتي في مقدمتها: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، والفلسفة القرآنية، والتفكير فريضة إسلامية، ومطلع النور، والديمقراطية في الإسلام، والإنسان في القرآن الكريم، والإسلام في القرن العشرين وما يقال عن الإسلام.

وهو في هذه الكتب يدافع عن الإسلام أمام الشبهات التي يرميه بها خصومه وأعداؤه، مستخدمًا علمه الواسع وقدرته على المحاجاة والجدل، وإفحام الخصوم بالمنطق السديد، فوازن بين الإسلام وغيره وانتهى من الموازنة إلى شمول حقائق الإسلام وخلوص عبادته وشعائره من شوائب الملل الغابرة حين حُرِّفت عن مسارها الصحيح، وعرض للنبوة في القديم والحديث، وخلص إلى أن النبوة في الإسلام كانت كمال النبوات، وختام الرسالات وهو يهاجم الذين يدعون أن الإسلام يدعو إلى الانقياد والتسليم دون تفكير وتأمل، ويقدم ما يؤكد على أن التفكير فريضة إسلامية، وأن مزية القرآن الأولى هي التنويه بالعقل وإعماله، ويكثر من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، ليصل إلى أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأشياء.

وقد رد العقاد في بعض هذه الكتب ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات ظالمة يحاولون ترويجها بشتى الوسائل، مثل انتشار الإسلام بالسيف، وتحبيذ الإسلام للرق، وقد فنَّد الكاتب هذه التهم بالحجج المقنعة والأدلة القاطعة في كتابه "ما يقال عن الإسلام".

شاعرية العقاد

لم يكن العقاد كاتبًا فذا وباحثًا دؤوبًا ومفكرًا عميقًا، ومؤرخًا دقيقًا فحسب، بل كان شاعرًا مجددًا، له عشرة دواوين، هي: يقظة الصباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، وأعاصير مغرب، وبعد الأعاصير، وأشجان الليل، ووحي الأربعين، وهدية الكروان، وعابر سبيل، وديوان من دواوين، وهذه الدواوين العشرة هي ثمرة ما يزيد على خمسين عامًا من التجربة الشعرية.

ومن أطرف دواوين العقاد ديوانه "عابر سبيل" أراد به أن يبتدع طريقة في الشعر العربي، ولا يجعل الشعر مقصورًا على غرض دون غرض، فأمور الحياة كلها تصلح موضوعًا للشعر؛ ولذا جعل هذا الديوان بموضوعات مستمدة من الحياة، ومن الموضوعات التي ضمها الديوان قصيدة عن "عسكري المرور" جاء فيها:

متحكم في الراكبـــين

وما لــــه أبدًا ركوبة

لهم المثوبة من بنــانك

حين تأمر والعقـــوبة

مُر ما بدا لك في الطـريق

ورض على مهل شعوبه

أنا ثائر أبدًا وما فـــي

ثورتي أبدًا صعـــوبة

أنا راكب رجلي فـــلا

أمْرٌ عليَّ ولا ضريبة

تقدير العقاد

لقي العقاد تقديرا وحفاوة في حياته من مصر والعالم العربي، فاخْتير عضوًا في مجمع اللغة العربية بمصر سنة (1359هـ= 1940م) فهو من الرعيل الأول من أبناء المجمع، واخْتير عضوًا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ونظيره في العراق، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة (1379هـ= 1959م).

وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف "الله" إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية.

وكان أدب العقاد وفكره ميدانًا لأطروحات جامعية تناولته شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وكاتبًا، وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسمه على إحدى قاعات محاضراتها، وبايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي، وحافظ إبراهيم، قائلا: "ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه".

وقد أصدرت دار الكتب نشرة بيلوجرافية وافية عن مؤلفات العقاد، وأصدر الدكتور حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأمريكية كتابًا شاملا عن العقاد، اشتمل على بيلوجرافية لكل إنتاج العقاد الأدبي والفكري، ولا تخلو دراسة عن الأدب العربي الحديث عن تناول كتاباته الشعرية والنثرية.

واشْتُهر العقاد بصالونه الأدبي الذي كان يعقد في صباح كل جمعة، يؤمه تلامذته ومحبوه، يلتقون حول أساتذتهم، ويعرضون لمسائل من العلم والأدب والتاريخ دون الإعداد لها أو ترتيب، وإنما كانت تُطْرح بينهم ويُدلي كل منهم بدلوه، وعن هذه الجلسات الشهيرة أخرج الأستاذ أنيس منصور كتابه البديع " في صالون العقاد".

وفاة العقاد

ظل العقاد عظيم الإنتاج، لا يمر عام دون أن يسهم فيه بكتاب أو عدة كتب، حتى تجاوزت كتُبُه مائةَ كتاب، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات، ووقف حياته كلها على خدمة الفكر الأدبي حتى لقي الله في (26 من شوال 1383هـ= 12 من مارس 1964م).


alsayda
سيرة الشاعر عمر أبو ريشة

ولد عمر أبو ريشة في منبج بلدة أبي فراس الحمداني في سوريا عام 1910م ونشأ يتيما وتلقى تعليمه الابتدائي في حلب .أكمل دراسته الجامعية في بيروت في الجامعة الأمريكية حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم عام 1930م ثم أكمل دراسته في لندن في صناعة النسيج ، وهناك قام بدعوة واسعة للدين الإسلامي بلندن .

ثار على بعض الأوضاع السياسية في بلادة بعد الاستقلال وامن بوحدة الوطن العربي وانفعل بأحداث الأمة العربية بشدة

شغل عدة مناصب :

· عضو المجمع العلمي العربي دمشق

· عضو الأكاديمية البرازيلية للآداب كاريوكا- ريودي جانيرو

· عضو المجمع الهندي للثقافة العالمية

· وزير سوريا المفوض في البرازيل 1949 م 1953 م

· وزير سوريا المفوض للأرجنتين والتشيلي 1953 م 1954 م

· سفير سوريا في الهند 1954 م 1958 م

· سفير الجمهورية العربية المتحدة للهند 1958م 1959 م

· سفير الجمهورية المتحدة للنمسا 1959 م 1961م

· سفير سوريا للولايات المتحدة 1961 م 1963م

· سفير سوريا للهند 1964 م 1970 م

· يحمل الوشاح البرازيلي والوشاح الأرجنتيني والوشاح النمساوي والوسام اللبناني برتبة ضابط أكبر والوسام السوري من الدرجة الأولى وآخر وسام ناله وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى وقد منحه إياه الرئيس اللبناني إلياس الهراوي . شردته الكلمة اثنين وعشرين عاما في مشارق الأرض ومغاربها وهذا شأن كل صاحب كلمة .

وتُوفي رحمه الله في الرياض عام 1990 م .
alsayda
الشعر في الأندلس امتداد للشعر العربي في المشرق؛ فقد كان الأندلسيون متعلقين بالمشرق، ومتأثرين بكل جديد فيه عن طريق الكتب التي تصل إليهم منه، أو العلماء الذين يرحلون من الشرق أو الأندلسيين الذين يفدون إلى الشرق للحج أو لطلب العمل، فكانت حبال الود ووشائج القربى قوية بين مشرق العالم الإِسلامي ومغربه.

وكان الأندلسيون ينظرون إلى الشرق وما يأتي منه نظرة إعجاب وتقدير؛ فكانوا في غالب أمرهم مقلدين للمشارقة، ويبدو ذلك واضحاً في ألقاب الشعراء وفي معارضاتهم لشعراء المشرق.

ولكن هذا التقليد لم يمنعهم من الإِبداع والابتكار، والتميز بميزات تخصهم نتيجة لعوامل كثيرة، أنها البيئة الأندلسية الجديدة الجميلة التي طبعت الأدب الأندلسي بطابع خاص.


ويمتاز الشعر الأندلسي في ألفاظه ومعانيه وأخيلته بسمات تبدو واضحة في مجمله، ومنها:


1 - وضوح المعنى، والبعد عن التعقيد الفلسفي أو الغوص على المعاني وتشقيقها.

2- سهولة الألفاظ وسلاستها، والبعد عن التعقيد والغموض، وذلك ناتج عن بساطة الأندلسيين وبعدهم عن التعقيد في كل شيء. ويستثنى من ذلك شعر ابن هانئ وابن دراج، فهما يقربان من شعر المشارقة من حيث الجزالة والقوة.

3 - قلة الدخيل والألفاظ الأعجمية؛ فقد لاحظ الدارسون أن الأندلسيين أكثر تمسكاً بالعربية الفصحى من غيرهم.

4- التجديد في بعض أغراض الشعر والتفوق فيها، ويبدو ذلك واضحاً في رثاء الممالك الزائلة، وفي وصف الطبيعة.

5 - الخيال المجنح، وبراعة التصوير، والاندماج في الطبيعة، ووصف مناظرها الخلابة، وذلك أثر من آثار جمال الطبيعة الأندلسية، وتعلق الأندلسيين بطبيعة بلادهم، وانعكاس ذلك على شعرهم سواء من ناحية الألفاظ المنتقاة أو الخيال أو التصوير والتشخيص.

6 - التجديد في الأوزان، وذلك باختراع الموشحات، وسوف نتحدث عن الموشحات حديثاً مفصلاً.

7 - البعد عن المحسنات اللفظية المتكلفة والمبالغة، وبروز التشبيهات الجميلة والاستعارات الدقيقة وحسن التعليل.

والخلاصة أن الأندلسيين قد قلدوا المشارقة، ولكن هذا لم يمنعهم من الابتكار والتفوق في مجالات عديدة ورد ذكرها فيما سبق.


الموشحات



امتاز الأندلسيون على المشارقة باختراع الموشحات، وإن كانت قد انتشرت بعد ذلك في المشرق أيضاً.

والموشح مأخوذ من الوشاح[1]، وهو: عقد من لؤلؤ وجوهر منظومين، مخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، تتوشح المرأة به. وثوب موشح: أي مطرز مزين.

والموشح في الاصطلاح الأدبي له تعريفات كثيرة، لعل أدقها ما ذكره ابن سناء الملك في كتابه (دار الطراز)[2]، حيث يقول: "الموشح: كلام منظوم على وزن مخصوص بقواف مختلفة، وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له: التام. وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له: الأقرع. فالتام ما ابتدِئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتُدِئ فيه بالأبيات".

وسوف نشرح الاصطلاحات الخاصة بالموشحات بعد الإِلمام المختصر بتاريخ الموشحات.



نشأة الموشحـات:

أول من اخترع الموشحات في الأندلس كما يقول ابن خلدون "مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ عنه أبو عمر أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد"[3].

ثم برع في الموشحات عبادة بن ماء السماء المتوفى عام 422 هـ، وهو إمام الوشاحين الذي استطاع أن ينشر الموشحات في الأندلس، ثم جاء بعده مجموعة من الوشاحين الأندلسيين، من أشهرهم: يحيى بن بُقّي، والأعمى التُطَيْلى، وأبو بكر بن زهر، وأبو بكر بن باجة، وابن سهل، ولسان الدين بن الخطيب.

ولا صحة لما قيل من أن ابن المعتز العباسي هو مخترع الموشح، وإنما ذلك محاولة لسلب الأندلسيين هذا الاختراع الذي أكد المؤرخون سبقهم إليه، حتى قال ابن سناء الملك. "وبعد، فإن الموشحات مما ترك الأول للآخر، وسبق بها المتأخر المتقدم، وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وصار المغرب بها مشرقاً لشروقها في أفقه وإشراقها في جوه ".

واختراع الموشحات الأندلسية نتيجة لحياة الترف والطرب واللهو، لأن الموشح يلائم ذلك، وهو تجديد في شكل الشعر العربي لا في مضمونه. وقد أدى اهتمام الأندلسيين بالموشح وكثرة الوشاحين إلى إغراقهم في ذلك الفن، وإلى كثرة أنماط الموشح حتى تحول إلى صناعة لفظية، كما أن العامية دخلت الموشح، حتى إن ابن سناء الملك يرى أن الخرجة يجب أن تكون عامية، فإن كانت معربة الألفاظ خرج الموشح من أن يكون موشحاً، اللهم إلا إذا كان موشح مدح...

وقد تناول الوشاحون في موشحاتهم أغراض الشعر العربي المشهورة من مدح ووصف وغزل وهجاء ورثاء وزهد... ولكن أشهر الموشحات في الغزل واللهو ووصف الطبيعة.



أجزاء الموشح ومصطلحاته:

الموشح يتكون من أجزاء معينة، اصطلح عليها الوشاحون، والتزموها في صنع الموشحات. وهذه الأجزاء هي:

المطلع: وهو ما يفتتح به الموشح - إذا كان تاماً - وهو يتألف من شطرين كما في المثال الأول، أو أربعة كما في المثال الثاني.

الدور: هو ما يأتي بعد المطلع في الموشح التام، فإن كان الموشح أقرعا جاء الدور في مستهل الموشح، ثم يتكرر الدور بعد كل قفل.

ويشترط في الدور أن يكون على وزن مخالف للمطلع أو القفل وقافيته كذلك، أما الأدوار فيجب أن تتحد فيما بينها في الوزن وعدد الأجزاء، وأن تختلف في القافية.

البيت: ومفهوم البيت في الموشحة غير مفهومه في القصيدة التقليدية، فالبيت في الموشح يتكون من الدور ومن القفل الذي يليه مجتمعين.

فالبيت الأول في المثال الأول هو:


وللنـسـيمِ مجـالُ



والروضُ فيه اختـيالُ



مُدَّتْ عليه ظــِلالُ



والزهرُ شـقَّ كِماما وَجْداً بتلك اللـحونِ



الخرجة: آخر قفل في الموشح، وهي تماثل المطلع والأقفال في الوزن والقافية وعدد الأجزاء.

وعلى هذا فالقفل الذي يأتي في مطلع الموشحة (إن وجد) يسمى المطلع، والقفل الذي يأتي في نهايتها (لا بد من وجوده) يسمى الخرجة.

الغصن: اسم اصطلاحي لكل شطر من أشطر المطلع أو الأقفال أو الخرجة في الموشِح، ولا بد من تساوي المطلع والأقفال والخرجة في عدد الأغصان كما ذكرنا سابقاً، ومطلع المثال الأول وأقفاله وخرجاته يتكون كل واحد منها من غصنين، أما في المثال الثاني فمن أربعة أغصان.

السمط: اسم اصطلاحي لكل شطر من أشطر الدور، ولا يقل عدد الأسماط في الدور الواحد من الموشح عن ثلاثة أسماط، وقد يكون السمط مفردا أي مكونًا من فقرة واحدة كما في المثال الأول، وقد يكون من فقرتين كما في المثال الثاني أو أكثر من ذلك، والمهم هو تساوي الأدوار في عدد الأسم
alsayda
لسان الدين بن الخطيب:

هو محمد بن عبدالله بن سعيد المعروف ((بلسان الدين بن الخطيب )) ولد في غرناطة سنة 713 هـ عني أبوه بتربيته فأقبل لسان الدين على الدراسة بشغف ونهم فتفوق في دراسته ونبع في الكتابة والشعر وساعده على ذلك موهبته الفطرية وذكاؤه الخارق وأعجب به أبو الحجاج يوسف أحد ملوكبني الأحمر في الأندلس فولاه الوزارة ثم تنكر له الزمان ففر إلى شمال أفريقيا حتى قتل سنة 776هـ وقد حمع المقري كثيراً من آثاره الأدبية في كتاب نفح الطيب الذي يعد من أهم المراجع للأدب الأندلسي


موضوع آخر:

لسان الدين ابن الخطيب

هو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله السلماني ، نسبة إلى ( سلمان ) موضع باليمن ، ومنه قدم أهله إلى الأندلس عقب الفتح الإسلامي واستقروا في قرطبة ثم انتقلوا إلى طليطلة بعد ثورة أهل الربض بقرطبة سنة 202/هـ .
ولما اشتد خطر النصارى على طليلة في منتصف القرن الخامس للهجرة انتقلوا ، أيام جده سعيد إلى ( لوشه ) غرب غرناطة وكان سعيد عالما ورعا فجعل يلقى دروسه ومواعظه في ( لوشة ) فعرف بالخطيب وعرفت الأسرة باسم آل الخطيب.
وفي مدينة ( لوشة ) ولد ابن الخطيب سنة 713/هـ ونشأ في غرناطة وبها تلقى علومه على كبار علمائها ، وفيهم العالم باللغة والأدب والعالم بالفقه والأصول وفيهم العالم بالطب فنهل من كل هذه العلوم . وفي عام 741/هـ تولى الكتابة في ديوان الإنشاء خلفا لأبيه الذي توفي في ذلك العام . وفي عام 749/هـ تولى الوزارة خلفا لأبي الحسن بن الجياب الذي توفي في ذلك العام، وكان وزير السلطان أبي الحجاج يوسف (الأول) .
واستمر ابن الخطيب في الوزارة بعد مقتل السلطان أبي الحجاج سنة 755/ هـ وقيام ابنه محمد ( الخامس ) الغني بالله خلفا له . وسفر لسان الدين للغني بالله إلى السلطان المريني أبي عنان فارس تأكيدا للمودة بينهما واستنجادا على الطاغية الإسباني ملك قشتاله ، ونجح لسان الدين في سفارته، فعظمت ثقة الغني بالله بلسان الدين ورفع رتبته ولقبه بذي الوزارتين ، الكتابة والوزارة .
وفي 28 رمضان سنة 760/هـ خلع الغني بالله وسار فارا إلى فاس ونزل على السلطان أبي سالم إبراهيم وهو أخو أبو عنان فارس وكان قد توفي سنة 759/هـ. ولم يستطع لسان الدين أن يصانع السلطان إسماعيل ( الثاني) ابن يوسف الذي خلع أخاه محمد الغني بالله فنكبه السلطان وصادر أمواله بتحريض من حوله من حساده ، واستطاع لسان الدين أن يهرب فلجأ إلى فاس لاحقا بالسلطان المخلوع, وفي أوائل سنة 763/هـ أقدم أمير من أمراء بني نصر يدعى أبا سعيد محمد على قتل إسماعيل ( الثاني ) وإعلان نفسه سلطانا باسم محمد ( السادس ) ، فما علم محمد ( الخامس ) الغني بالله بذلك حتى عاد إلى الأندلس بقوة زوده بها السلطان المريني أبو سالم إبراهيم ، ونزل في (رنده) وكانت من أملاك بني مرين ومنها سار بقوته ودخل غرناطة .
وهرب أبو سعيد محمد (السادس) لاجئا إلى ملك قشتاله. واستدعى الغني بالله لسان الدين من فاس‏09:30 ص ورده إلى الوزارة وأعاد تلقيبه بذي الوزارتين فعلت مكانته من جديد وعظم نفوذه ، وازدهى لسان الدين بهذه المكانة الرفيعة التي أحله بها السلطان ، فأثار بذلك حسد حساده وفيهم الوزير ابن زمرك تلميذ ابن الخطيب ، ومعه أبو الحسن علي النباهي قاضي الجماعة في غرناطة وكانا صنيعة لسان الدين وغرس نعمته ، فجعلوا يحرضون الغني بالله عليه ويتهمونه بالانحراف بولائه والإلحاد ، وعلم بذلك لسان الدين، ورأى أن الأسلم له أن يبارح الأندلس فاستأذن الغني بالله في الحج فأذن له .
وتوجه لسان الدين إلى فاس لاجئا إلى السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز المستنصر بن أبي الحسن علي وكان قد تولى السلطنة سنة 767/هـ بعد أحداث جرت في فاس بين " المتنافسين " على السلطة ، فكتب الغني بالله إلى المستنصر المريني بالقبض على لسان الدين وقتله ، فلم يلتفت المستنصر لهذا الطلب . وجرت لابن الخطيب محاكمة غيابية في غرناطة حضرها الفقهاء وكبار العلماء اتهم فيها بالإلحاد اعتمادا على بعض ما جاء في كتابه (روضة التعريف بالحب الشريف) المعروف بكتاب ( المحبة ) أولوها وفق مقاصدهم وزعموا أن فيها ما يتضمن طعنا بالنبي صلى الله عليه وسلم والقول بالحلول ومجاراة مذهب الفلاسفة الملحدين ، وكان تلميذه وخلفه في الوزارة القاضي أبو الحسن النباهي أكبر المروجين لهذه الدعاية وهو الذي تولى صوغ الاتهام وأفتى بوجوب قتله وحرق كتبه . وقد أحرقت كتبه في غرناطة بمحضر من الفقهاء والعلماء والمدرسين.
وفي عام 774/هـ يتوفى السلطان أبو فارس عبد العزيز ويخلفه ابنه أبو زيان محمد السعيد ، وكان طفلا وتولى كفالته والقيام بشؤون الدولة الوزير أبو بكر غازي. وكرر الغني بالله طلبه بتسليم ابن الخطيب أو قتله ، فلم يستجب الوزير لطلبه .
وقام السلطان الغرناطي الغني بالله باصطناع فتنة في المغرب أطاحت بالسلطان المريني القاصر وبوزيره أبو بكر غازي وتولية السلطنة أبا العباس أحمد المستنصر بن إبراهيم بن علي وتولية الوزارة لسليمان بن داود، وعلى الأثر حضر الوزير ابن زمرك إلى فاس يطالب أبا العباس المستنصر بثمن إيصاله إلى العرش والقبض على لسان الدين وإعدامه تنفيذا للحكم الصادر عليه في غرناطة والذي صدقه الغني بالله .
ولكن أبن العباس المستنصر آثر أن تجري محاكمته بحضوره فعقد له مجلسا من رجال الدولة والشورى واستدعى ابن الخطيب ووجهت إليه التهم المنسوبة إليه وأخصها تهمة الإلحاد والزندقة ، وعرضت العبارات التي وردت في كتابه ( المحبة ) فعظم النكير فيها ووبخ ونكل به وامتحن بالعذاب الشديد على مشهد من الملأ وأفتى بعض الفقهاء بقتله ودس عليه الوزير سليمان بن داود بعض الأوغاد فدخلوا عليه في سجنه وقتلوه خنقا في أوائل سنة 776/هـ.
كان عالما بالتاريخ والفلسفة والرياضيات كما كان عالما بالفقه والأصول وألف فيها كلها، منها : ( الإحاطة في أخبار غرناطة ) و ( الإعلام لمن بويع قبل الاحتلام) و ( اللمحة البدرية في الدولة النصرية) و ( تاريخ ملوك غرناطة إلى سنة 765/هـ) و (طرفة العصر في دولة بني نصر) و (معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار) و (ريحانة الكتاب ونجعه المنتاب) و (رسالة في الموسيقى) و ( الحلل المرقومة في اللمع المنظومة) وهي أرجوزة من ألف بيت في أصول الفقه، و ( عمل من طب لمن أحب) وهو مؤلف طبي ضخم يتناول فيه ابن الخطيب مختلف الأمراض مع أسباب كل مرض وأعراضه وعلاجه ونظام الغذاء الذي يناسبه ويتحدث فيه عن مختلف أعضاء الجسم وطرق العناية بها و (أرجوزة في الطب ) و ( أرجوزة في الأغذية ) و (الوصول لحفظ الصحة في الفصول ) وكتاب في ( علاج السموم ) وكتاب في ( البيطرة ) وفيه يتناول خصائص الخيل ومحاسنها ورسالة في الطب دعاها ( مقنعة السائل عن المرض الهائل ) وهي رسالة كتبها عن الطاعون الجارف الذي دهم الأندلس وسائر العالم الإسلامي سنة 748/هـ (1348/م) وغير ذلك من الكتب الكثيرة .
وعلى اسمه صنف المؤرخ أحمد بن محمد المقري ( ت: 1041/هـ) كتابه ( نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب) . كان ابن الخطيب إلى جانب علمه الواسع وغوصه في فنون المعرفة شاعرا قوي السبك يبتكر المعاني ويجلوها جلاء الفنان المبدع . وكان من أئمة شعراء الموشحات الأندلسية وأشهرها موشحته الذائعة الصيت واستمع إليه يقول في مطلعها:
جــادك الغيــث إذا الغيـث همـى يــا زمــان الوصــول بـالأندلس
لـــم يكــن وصلــك إلا حلمــا فــي الكــرى أو خلسـة المخـتلس
إذا يقــود الدهــر أشــتات المنـى ينقــل الخــطو عـلى مـا يرسـم
زمـــرا بيـــن فــرادى وثنــا مثــل مــا يدعـو الوفـود الموسـم
والحيــا قــد جـلل الـروض سـنا فثغـــور الزهــر منــه تبســم
واستمع إليه يقول، وقد قدم للقتل بعد صلاة العصر:
قـف لـترى مغـرب شـمس الضحى بعــد صــلاة العصـر والمغـرب
واســـترحم اللــه قتيــلا بهــا كــان فريــد العصــر بـالمغرب
alsayda
اشتهر الشاعر عمر أبو ريشة (1910- 1990) بمواقفه الوطنية والقومية الجريئة، فقد قارع المستعمر الفرنسي إبان احتلاله لسورية (1920- 1946)، كما ندّد ببعض المواقف للحكومة السورية بعد الاستقلال (1946)، وكان موقفه الوطني لاينفصل عن موقفه القومي، بل كان شعوره القومي يطغى في كثير من الحالات على شعوره الوطني.

ولقد حظيت القدس من اهتماماته ومشاعره وعواطفه، مثلما حظيت من شعره وقصائده بأكثر مما حظيت به أي مدينة عربية أخرى، حتى مدينته حلب نفسها، التي فيها نشأ وترعرع وأمضى معظم سني شبابه، وفيها دفن (1990). عمر أبو ريشة
لقد كانت القدس بالنسبة إليه طوال حياته المنطلق الذي يقوّم من خلاله أي موقف، فهي القيمة التي تثبت مقدار الإيمان بالإسلام، والتمسكِ بالعروبة، والإخلاصِ لهما، والموقفُ منها هو الموقف الذي يثبت مقدار الوفاءِ للشعب، وتحقيقِ أهدافه وأحلامه في الحرية.

وكان الشاعر في كل مناسبة وطنية أو قومية، يذكر القدس، لأنها حاضرة دائماً في وجدانه، وفي وجدان كل عربي، ولأنها اللحمة والسدى أيضاً في كل مناسبة، لأن قضيتها لاتنفصل عن أي قضية عربية أخرى.

وليس ذلك الموقف من القدس بغريب، فالقدس هي قلب العرب النابض، وعاصمة فلسطين، ومهد السيد المسيح عليه السلام، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وهي التي دخلها عمر بن الخطاب، فجعلها ملتقى الأديان، وأرسى فيها قواعد السلام، بل جعلها مدينة السلام، ثم غزاها من بعد الصليبيون، وظلوا فيها مئتي عام، حتى حررها فيما بعد صلاح الدين الأيوبي.

فالشاعر يتغنى ببطولات الشعب العربي في سورية، وعلى رأسه المجاهد إبراهيم هنانو وهو يقارع المحتل الفرنسي، وينشد في حفل تكريمه قصيدة مطولة عنوانها قيود (1937)، وفيها يقول (ص552):

وطن عليه من الزمان وقار
تغفو أساطير البطولة فوقه
فتطل من أفق الجهاد قوافلٌ
النور ملء شعابه والنار
ويهزها من مهدها التذكار
مضر يشدّ ركابها ونزار

وفي سياق الفخار بالبطولة وربط الماضي بالحاضر، ينعطف الشاعر إلى القدس، ليندد بالمستعمر الإنكليزي، ويقرنَه بالغزو الصليبي، ويصورَ ماألحقَ بالشعب العربي في فلسطين من أذى، فيقول (ص557- 559):


والقدسُ ما للقدسِ يخترق الدِّمَا
أيُّ العصور هوى عليه وليس في
عهد الصليبيين لم يبرح له
وشراعُه الآثامُ والأوزار
جنبيه من أنيابه آثار
في مسمع الدنيا صدى دوار

صف الملوك فما استباح إباؤهم
ناموا على الحلم الأبي فنفّرت
صلبوا على جشع الحياة وفاءهم
وبكل كفٍّ غضة سكينة
شرف القتال ولا أهين جوار
منه الطيوف بُنَوّةٌ فجار
ومشواعلى أخشابه وأغاروا
وبكل عرق نابض مسمار

ثم يتحدث عن دعم الإنكليز لليهود وتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين وإقامة كيان لهم، ويندد بخيانة الإنكليز للعهود التي قطعوها للعرب، ثم يؤكد أهمية الحفاظ على الحق، ويحذّر من الضعف، فيقول (ص559- 560):


مدّوا الأكف إلى شراذم أمة
ورمَوا بها البلدَ الحرامَ كما رمت
وبنوا لها وطناً وعبق محمد
أين العهود البيض ترقب فجرَها
ولّت وفي حلق العروبة بُحَّةٌ
إن الضعيفَ على عريق فخارِه
ضجّت بنَتْنِ جسومِها الأمصار
بالجيفة الشطَّ الحرامَ بِحَارُ
وابن البتول بأفقه زخّار
بتلهُّفٍ صيّابةٌ أبرار
وعلى مراشفها العطاش غبار
حَمَلٌ يشدُّ بعنقه جزار

وواضح أن الشاعر يحذّر في البيت الأخير من خطورة الاستكانة والتواكل والنوم على المجد الغابر، لأن الحق لاتحميه إلا القوة، وصاحب الحق من غير قوة حمل ضعيف يقاد إلى حتفه.

ويستشهد في جبل النار بفلسطين المناضل سعيد العاص، وهو ابن حماه، مما يؤكد وحدة الشعب العربي، ووحدة النضال ضد المستعمر، أيّاً كان، وأينما كان، سوءا في سورية أم فلسطين، فهما بلد واحد، والشعب شعب واحد، وتقام له في دمشق وحماه حفلات التأبين، ويقف فيها عمر أبو ريشة ليرثيه بقصيدة مطولة عنوانها شهيد (1937) وفيها يقول (ص569- 571):


ياشهيد الجهاد ياصرخة الهول
كلما لاح للكفاح صريخ
تحمل الحملة القوية والإيمان
فكأن الحياة لم تلق فيها
هبةً في يديك كانت ولما
إذا الخيل حمحمت في الساح
صحت لبيك ياصريخ الكفاح
أقوى في قلبك المفراح
مايروّي تعطش الملتاح
رامها المجد عفتها بسماح

ويذكر بوعود الحلفاء للعرب، ووقوف العرب إلى جانبهم في الحرب العالمية الأولى، وتقديم العون لهم، على أمل نيل الحرية والاستقلال، ثم يندّد بنكث الحلفاء لتلك الوعود، وما جرّ على العرب من احتلال أقطارهم، وسلبهم الحرية، يقول مخاطباً سعيد العاص (ص 572- 574):


أي فتى المجد، إنه العمر، يومٌ
إن من سامك المنون لقوم
خفروا ذمة العهود وصمُّوا
كم وعود معسولة سكبوها
فحشدنا لهم جيوش ولاء
وسفكنا الدم الزكي وزيّنّا
وأردنا الأسلاب منهم فكنا
لخسار وآخرٌ لرباح
لم يحيوا على الحجا والفلاح
الأذن عن صرخة الهضيم اللاحي
في فؤاد العروبة المسماح
ومددنا أكفنا للصفاح
جبين الرحى بغار النجاح
نحن أسلابهم ونحن الأضاحي

والشاعر لايضعف، ولا يدخل اليأس إلى قلبه، بل يظل متمسكاً بالحق، وهو يؤكد أن العرب لن يتخلوا عن فلسطين، حيث استشهد سعيد العاص في جبل النار، بل يؤكد أن مأساة فلسطين ستظل منارة تضيء للعرب طريق الكفاح، حيث يقول (ص 574-575):


جبلَ النارِ لن ننام كما نمتَ
لك حبٌّ في قاسيونَ وصنينَ
أنت للعرب كالمنارة في الساحل
جريحَ العلى كسيحَ الطِّماح
وسَيْناء مالَهُ من براح
لاحت لأعين الملاح

والشاعر يبدع في القصيدة نفسها تصوير الصراع بين العرب في فلسطين والعداة المحتلين، ويقدم لوحة فنية متميزة، إذ يصور جبل النار في فلسطين يهتز غضباً من ظلام الطغاة، وتنطلق النسور العربية، تاركة فراخها، لتصارع قوى الظلام، ولكن هذه القوى تسلط نيرانها على النسور، فتحترق أجنحتها، وهي تنشب مخالبها في جسد الظالم، وتأبى إلا أن تسلم الروح وتروي الأرض بدمائها. يقول (ص 564- 568):


ياظلام الأجيال قصَّ جناحيك
مرود كحّل الجفون الكسالى
فصحا من عليائه الجبل الهاجع
وتعالى صياحه يتوالى
تركت في الوكون أفراخها الزغب
وتبارت عصائبا فالفضا الرحب
غضب البغي فانبرى يحشد الهول
شقّ فكّي جهنمٍ فأسالت
فاقشعرت من وهجة القلل الصمّ
وتدجّى الدخان يحجب عين الشمس
فتهاوت تلك النسور وأزرت
تنشب المخلب المعقّف في البغي
ولسان اللهيب يلعب بالريش
غضبة للنسور لا النصر فيها
لم تُزَحْزَحْ تلك المخالب إلا
فتلاشى الدخان عن وَثَبَات البغي
وسرى الليل مالئاً جبل النار
يادماء النسور تجري سخاء
أنبتي العز سرحة يتفيا
أنت دمع السماء إن لهث الحقل
فهذي طلائع الإصباح
فأفاقت على السنا اللمّاح
واهتزّ مفعم الأتراح
فاشرأبت نسوره للصياح
وهبت على أزيز الرياح
بساط من مخلب وجناح
ويرنو إلى الأذى بارتياح
في الروابي لعابَها والبطاح
وأجّت شوامخ الأدواح
عن مأتم الثرى المستباح
بالمنايا على اللظى المجتاح
وتزجي المنقار في إلحاح
ويطوي الجراح فوق الجراح
بمتاح ولا الونى بمباح
بعدما جُرِّدَتْ من الأرواح
في بركة الدم النضاح
سكوناً لولا نشيد الأضاحي
بغرام البطولة الفضاح
بأظاليلها شتيت النواحي
وجفت سنابل وأقاحي

فالشاعر يبدع في تصوير الصراع بين قوى الحق والباطل، الخير والشر، العرب والصهاينة، وهو يستعير صورة الليل والظلام والنيران تغالبها النسور وتنشب فيها مخالبها وتبذل الروح والدم لتسقي الأرض العطشى، والشاعر يؤكد أن قوى الحق على استعداد دائم للتضحية والفداء، وإن كانت تعلم أن الغلبة لن تكون لها، وحسبها فخراً وشرفاً أنها تثبت بطولتها، وتؤكد حقها، كما يؤكد الشاعر أن هذا الدم لن يضيع عبثاً فهو الذي سينبت شجرة العزة.

وصورة الصراع مبتكرة، وهي حافلة بالصور الجزئية البديعة، فالبغي يشق فكي جهنم، والثرى في مأتم مستباح، والنسور تنشب المخلب في البغي وتزجي المنقار، والعز بعد ذلك سرحة، والدماء دمع السماء يروي الحقل الظامئ.

إن القصيدة مبنية على فنية عالية، وصور جديدة، ومعان بعيدة، وليس فيها إلا قدر قليل من المباشرة والخطابة ، على الرغم من أنها قيلت في مناسبة، وأنشدت في حفل، وكانت موجهة إلى جمهور حاشد من المتلقين.

وإذا دلَّ هذا على شيء، فإنه يدل على أن الشاعر يأبى إلا أن يجوِّد فنه، ولو كانت قصيدته في مناسبة، فهي تصدر عن موهبة، لايمكن إلا أن تعبر عن ذاتها،أقوى مايكون التعبير.

وفي عام 1945 قبل أن يتم لسورية الاستقلال، تفتتح دار اكتب الوطنية بحلب، وفي حفل الافتتاح يلقي الشاعر قصيدة مطولة عنوانها " هذه أمتي " (1945)، وفيها يعتز بالعروبة وقدرتها على نفض غبار الأيام، والنهوض ثانية لتصنع العزة، ثم يلتفت إلى القدس، ليشير إلى غدر الأحلاف بالعرب، ونكثهم بعهودهم لهم، وتشجيعهم اليهود على الهجرة إلى فلسطين، فيقول (ص526- 527):


وسلوا القدس هل غفا الشرق عنها
أهتاف خلف البحار بصهيونٍ
ومن الهاتف الملح؟ أحرٌّ ؟
أين ميثاقه؟ أتنحسر الرحمة
يالذل العهود في فم من
أو طوى دونها شبا مُرّانه
وحدب على بناء كيانه
أين صدق الأحرار من بهتانهِ
في دفتيه عن عدوانه ؟
أجرى على عزّها دما فرسانه

ثم يشيد بطهر الأرض المقدسة، ويستنكر تدنيسها بالعدوان، ويؤكد أن الحق لابد سينتصر، وأن الباطل سيدحر وينهزم، فيقول: (ص725- 528):


أي فلسطين يا ابتسامة عيسى
ياتثني البراق في ليلة
لاتنامي خضيبة الحلم خوفا
إنّ للبيت ربّه فدعيه
لجراح الأذى على جثمانه
الإسراء والوحي ممسك بعنانه
من غريب الحمى ومن أعوانه
ربّ حاو رَدَاه في ثعبانه

ومما لاشك فيه أن الشاعر لايرفع دعوة التسليم حين يقول إن للبيت ربه فدعيه، بل يعبر عن ثقة بأن الباطل سينهزم من غير شك لأنه يحمل في داخله بذور فنائه بسبب اعتماده على الزيف والباطل، كالحاوي الذي يعتمد على الأفعى في كسب عيشه. - 5 – وأقيمت حفلة ثانية في دار الكتب الوطنية بحلب، عام 1947 في ذكرى جلاء المستعمر عن سورية، فيلقي عمر أبو ريشة قصيدة مطولة عنوانها: "عرس المجد" (1947) يفخر فيها بمجد العرب، ويعبر عن فرحة كبيرة بالاستقلال، يقول في مطلعها (ص 437):


ياعروس المجد تيهي واسحبي
لن تري حفنة رمل فوقها
درج البغي عليها حقبة
في مغانينا ذيول الشهب
لم تعطر بدما حرّ أبي
وهوى دون بلوغ الأرب

ثم يخاطب في تضاعيف القصيدة القدس الشريف فيتغنّى بطهر أرضه ثم يؤكد أن المصاب في فلسطين قد وحّد العرب ولمَّ شملهم وأنهم جميعاً لن يتخلوا عن الحق، فيقول (ص447- 448) :


ياروابي القدس يامجلى السنا
دون عليائك في الرحب المدى
لمت الآلام منا شملنا
فإذا مصر أغاني جلّقٍ
ذهبت أعلامها خافقة
كلما انقضّ عليها عاصف
بورك الخطب فكم لف على
يارؤى عيسى على جفن النبي
صهلة الخيل ووهج القضب
ونمت مابيننا من نسب
وإذا بغداد نجوى يثرب
والتقى مشرقها بالمغرب
دفنته في ضلوع السحب
سهمه أشتات شعب مغضب

والشاعر بذلك يدل على رؤية تتمسك بالحق، وتثق بالمستقبل، وترى في المصيبة نفسها مايحقق الخلاص، ولكن من خلال وحدة العرب
ولكن هذه الرؤية الواثقة المتفائلة، ماتلبث أن تصاب بفاجعة كبيرة، عندما ترتد القوى العربية على أعقابها عام 1947، ويعلن الكيان الصهيوني في 15 أيار 1948 عن قيام دولة إسرائيل، فينفجر الغضب في قلب الشاعر، ويعاتب أمته بقسوة، منكراً عليها تقصيرها في الدفاع عن الحق في قصيدة له شهيرة عنوانها " أمتي " (1947) يقول في مطلعها (ص7):


أمتي، هل لك بين الأمم
أتلقاك وطرفي مطرق
ألإسرائيل تعلو راية
كيف أغفيت على الذل ولم
منبر للسيف أو للقلم
خجلاً من أمسك المنصرم
في حمى المهد وظل الحرم
تنفضي عنك غبار التهم

وسرعان مايصب الشاعر نقمته على القادة العرب آنئذ ويحملهم المسؤولية، ويعاتبهم بحدّة بالغة، فيقول عنهم: (ص10)


ربّ وامعتصماه انطلقت
لامست أسماعهم لكنها
ملء أفواه البنات اليتم
لم تلامس نخوة المعتصم

ثم يلتفت إلى الشعب العربي ليحمله المسؤولية كلها، ويلومه على سكوته عن حكامه، فيقول (ص10- 11):


أمتي كم صنم عبدته
لايلام الذئب في عدوانه
فاحبسي الشكوى فلولاك لما
لم يكن يحمل طهر الصنم
إن يك الراعي عدو الغنم
كان في الحكم عبيد الدرهم

والقصيدة مفعمة بالحدة وشدة الانفعال، وهي تضج بالأسئلة والنداءات، وقد عني الشاعر فيها بالطرافة والإدهاش، وتعدّ إحدى قصائده المتميزة، وقد لقيت في حينها رواجاً كبيراً، وحسبها أنه استهل بها ديوانه الذي أصدره عام 1971.

وينتاب الشاعر بعد ذلك قدر غير قليل من الاكتئاب والحزن، وهو يرى القدس تنتهك، وقوافل اللاجئين تجرّ خطا الألم والشقاء والعذاب، والعرب لاهون عنهم عابثون، فيطلق قصيدة مطولة عنوانها " حماة الضيم" (1948)، وفيها يقول (ص17-20):


هل في روابي القدس كهف عبادة
خشب الصليب على الرمال مخضب
فإذا سبيل الحق منفض الصوى
وإذا قوافله العجاف طريدة
كم متعب جرّ السنين وراءه
متلفتاً صوب الديار مودّعا
كم حرّة لم تدر عين الشمس ما
وبناتها وجلى تضج أمامها
بمن استجارت هذه الزمر التي
العري ينشرها على أنيابه
تحنو جوانبه على أحبارِهِ
بدماء من نعموا بطيب جوارهِ
تاهت به الطلقاء من زوارهِ
والبغي يقذفها بمارج ناره
ومشيبه يبكي جلال وقاره
وخطاه بين نهوضه وعثاره
في خدرها أغضت بطرف كاره
والرجس يدفعها إلى أوكاره
مد الزمان لها يد استهتاره
والجوع يطويها على أظفاره

فلربّ سكير شدا مترنّحا
ولربّ متلاف أشاح بوجهه
حسبت بناء العرب مسموك الذرى
فإذا البناة على ذليل وسادها
ودموعها ممزوجة بعقاره
عنها وملء البيد سيل نضاره
تتحطم الأحداث دون جداره
تغفو عن الشرف الذبيح وثاره

وعلى الرغم من هذا الألم، وما يراه الشاعر من مظاهر الضعف والبؤس والتشرد، فإنه لايفقد الأمل، ويظل على ثقة بأن فجر الخلاص قادم، فيقول (ص20):


مهلاً حماة الضيم إن لليلنا
مانام جفن الحقد عنك وإنما
فجراً سيطوي الضيم في أطماره
هي هدأة الرئبال قبل نفاره

ومما لاشك فيه أن هذه الثقة بالنهوض إنما هي مستمدة من التمسك بالحق العربي، ومن قوة هذا الحق نفسه.

وها هو ذا العيد يمرّ بالشاعر، فلا يهنأ به، ولا يحس فيه بسعادة، لأن روابي القدس مستباحة، ولكنه يثق بأن خلاصها قادم، ويعبّر عن ذلك في قصيدة " ياعيد " (1949) وفيها يقول: (ص 93- 95):


ياعيد، ماافترّ ثغر المجد، ياعيد
فكيف تلقاك بالبشرى الزغاريد

طالعْتَنا وجراح البغي راعفة
فتلك راياتنا خجلى منكسة
ياعيدكم في روابي القدس من كبد
سالت على العز إرواء لعفته
سينجلي ليلنا عن فجر معترك
وما لها من أساة الحي تضميد
فأين من دونها تلك الصناديد
لها على الرفرف العلوي تعبيد
والعز عند أباة الضيم معبود
ونحن في فمه المشبوب تغريد

والقصيدة تدل على حزن يحزّ في أعماق الشاعر، لما نال القدس من عدوان، ولما هو عليه حال العرب من تقصير تجاهها، كما تدل القصيدة على تضحيات العرب في فلسطين ونيلهم الشهادة، والشاعر يمجّد أرواحهم، ومن خلال هذه التضحيات يمتلك الثقة بالنصر.

إن الحزن حالة لابدّ منها، تزيد الحسّ رهافة، والوعي قوة، ولا تعدم الرجاء، ولا تفني الأمل، بل لعل تلك الحالة تزيد الأمل قوة.

وتمر على النكبة عشر سنوات، ويطل العام الجديد 1959، فيجد الشاعر المأساة ماتزال كما هي، احتلال، وتشريد، وقهر، فلا يهنأ الشاعر بقدوم العام الجديد، ويجد غرفته كئيبة خاوية، على الرغم من امتلائها ببطاقات التهنئة التي يراها فارغة من معناها، وهذا مايعبر عنه في قصيدة عنوانها "عام جديد" (1959) وفيها يقول (ص64):


وحدي هنا في حجرتي
والليل والعام الوليد

وحدي، وأشباح السنين
كم حطّمَتْ مني ومن
وقفت لتنثر كل جرح
من صيحة الوطن الطعين
وكآبة الشيخ الطريد
وتململ الأحرار في
وتكالب الأقزام فوق
وحدي هنا في حجرتي
ورسائل شتّى تقول
العشر ماثلة الوعيدْ
زهوي ومن مجدي التليدْ
كان في صدري وئيدْ
ورقدة الوطن الشهيد
ودمعة الطفل الشريد
أغلال حكام عبيد
ذيول عملاق عنيد
والجرح والفجر الجديد
جميعها عاماً سعيد

إن حزن الشاعر في العيد، وإحساسه بما يعانيه وطنه وأمته من هوان الاحتلال والتشريد والقهر، لهو دليل على أن الشاعر يحمل الوطن والأمة في وجدانه دائماً، وأن فرحة الإنسان لاتكتمل إلا بفرحة الوطن، وتلك هي في الحقيقة معاناة كل مواطن عربي.

إن ذلك كله يؤكد أن القضية الفلسطينية هي قضية كل عربي، يعيش نبضها كل يوم، ويحس بمأساتها، ولا يهنأ في عيشه، والأرض المقدسة مدنسة، والقدس الشريف منتهك، والشقيق الفلسطيني يعاني من التشريد أو الاحتلال.

ولذلك يصعب على الشاعر أن يسمع أن أحد الأغنياء العرب قد أنفق مبلغاً كبيراً على ملذاته، في الوقت الذي تعاني فيه القدس من جراحها فيثور غضب الشاعر، وينقم، ويمضي ليرسم لوحة لذلك الغني، يسخر فيها منه، ويهزأ، في قصيدة له عنوانها "هكذا" (1954) وفيها يصور جود ذلك الغني وإنفاقه على ملذاته، فيقول (ص26-27):


قال: ياحسناء ماشئت فاطلبي
أختك الشقراء مدت كفها
فانتقى أكرم مايهفو له
وتلاشى الطيب من مخدعه
فكلانا بالغوالي مولع
فاكتسى من كل نجم إصبع
معصم غضٌّ وجيد أتلع
وتولاه السبات الممتع

ثم يعلّق على موقف الغني، ساخراً، في تفجع مرّ، فيقول في ختام القصيدة (ص27):

هكذا تقتحم القدس على
غاصبيها هكذا تسترجع


وفي هذا الختام مايحزّ في الأعماق، ويثير الشعور بالمرارة والألم، بالإضافة إلى مافيه من سخرية وإدانة.

- 11 –
وفي كل مناسبة، ينعطف الشاعر إلى القدس، ليعبر عن واقعها المؤلم، ففي حفل تأبين الشاعر اللبناني الأخطل الصغير عام 1969 يلقي أبو ريشة قصيدة مطولة، عنوانها "بنات الشاعر"، يرثي فيها الشاعر، ويأبى إلا أن ينطق بما في نفسه من حزن وأمل، حزن على واقع فلسطين، والأمة العربية، وأمل في المقاومة الفلسطينية وحركتها فتح التي أعلن عنها عام 1965.

وهاهو ذا يخاطب الشاعر الأخطل الصغير ويبوح له بما في جوانحه من ألم على أمته، فيقول: (ص75- 76):


ياراقداً في حمى النعمى ومضجعه
نجيُّك اليوم من أزرى الزمان به
جناحه بعدما طال المطاف به
يمشي الهوينا على صحراء رحلته
كانت له في هضاب الشرق ألوية
يسائل القدر المحموم في خجل
مازال يندىعليه العشب والزهر
وردّه عن مدى آفاقه الكِبَرُ
مخضّب من شظاياالشهب منكسر
وصحبه الليل والأشباح والسهر
نَسْج الكرامة معقود بها الظفر
عنها فيغضي على استحيائه القدر

وهذا البوح الحزين لايعبر عن مشاعر فردية خاصة، إنما يعبر عن مشاعر وطنية قومية شاملة، مرجعها الحزن على واقع الأمة العربية وما نالها من ضيم، ولكن الشاعر لايفقد الأمل، فعزاؤه في كتائب الفتح، وأمله في رجال المقاومة، الذين يصنعون المستقبل، يقول الشاعر (ص76-77):


كتائبُ الفتح في إعصار عاصفة
من كلّ أمرد ما أدمى مراشفَه
وكلِّ حسناءَ ماباعت أساورها
كتائبٌ بالنضال الحق مؤمنة
بالحقد والغضب العلوي تنفــجر
في رعشةالشوق إلا الوحلُ والمدر
إلا لتشتري بها ما الموتُ يدّخر
إذا الطواغيت من إيمانها سخروا

ولكن، على الرغم من هذا الأمل برجال الفداء والتضحية، يظل الشاعر حزيناً، بسبب يأسه من الحكام العرب، وهو يدين في القصيدة نفسها مؤتمر القمة الذي عقدوه آنئذ في الرباط، ثم يعلن في الختام عن ألمه الشديد لأنه لم يقل كل ماكان يريد أن يقول، فما تزال في الصدر غصة، يقول (ص 78):


عفواً بشارة بعض البوح ضقت به
خنقت بالدمعة الخرساء أكثره
فسال فوق فمي حرّان يستعر
وأقتل الدمع مالا يلمح البصر
ولذلك يعلّق الشاعر الأمل على الملك فيصل عندما يعلن عام 1975 عن عزمه على تحرير القدس، فيتمثل فيه صلاح الدين محرّر القدس، ويتوجه إليه في قصيدة مطولة عنوانها " أنا في مكة "، فيقول في مجموعة " أمرك يارب " (ص 57):


ربعُ حطينَ موحش ياصلاح الدين
سِرْ بنا صوبه وصلّ بنا في القدس
إلا من ذكريات غوال
واضرب حرامه بالحلال

ولكن فجأة يغتال الملك فيصل عام 1975، فيرثيه الشاعر بقصيدة مطولة عنوانها "أمرك يارب" (1395هـ 1975م)، وهما الكلمتان اللتان نطق بهما الملك فيصل وهو يجود بروحه، وقد جعل الشاعر القصيدة على لسان الملك، وصوره وهو يودّع الدنيا، ويتوجه إلى ربه بالنداء، معبراً عن أمنيته الأخيرة، وهي تحرير القدس، فيقول في المجموعة نفسها (ص14):


لي بعدُ ياربّ من دنياي أمنيةٌ
أردت أختم فيها العمر مقتحما
وأن أصلِّي وكف القدس تحمل لي
ماكان أكرمها في العمر أمنية
تقتات بالوعد منها كلّ أشجاني
أحقادَ حطين في مضمارها الثاني
رضاك في المسجدالأقصىوترعاني
ماكنت أحسبها تمضي وتنساني

والشاعر يدرك أن الملك فيصل لم يفقد الأمل، كما أن الشاعر نفسه لم يفقد الأمل فكلاهما يثق بالشعب، ويعرف أن القوم لن يتخلوا عن الحق، ولن ينسوا الأمانة، ولا بد من تحرير القدس، ولو طال الأمد، يقول الشاعر على لسان الملك فيصل وهو يجود بروحه (ص16):


يارب ماضاع عهد القدس إن له
أمانة لك لن يرموا بحرمتها
أكاد ألمحهمْ في ظل مسجدها
قومي الأباةَ أعادي كلِّ عدوانِ
ولن يجروا عليها ذيل نسيانِ
وخالدٌ من سنا محرابه دان

وبذلك يعبر الشاعر عن رؤية قوامها التمسك بالحق، والثقة بالشعب، والتفاؤل بالمستقبل، والأمل بتحقيق النصر.

وتلك الرؤية، هي رؤية كل عربي يؤمن بالحق ويتمسك به ويناضل لأجله، وتلك المعاناة هي معاناة الشعب العربي كله، من المحيط إلى الخليج. وهي معاناة شعب، ورؤية شعب، تعدّ قضية فلسطين بالنسبة إليه قضية حق ووجود، وهي قضية حاضر ومستقبل، ولذلك لايفقد المرء الأمل، ولو وافاه الأجل، لأنها قضية شعب وتاريخ ووطن.

ولعل في هذا كله مايؤكد انتساب الشاعر إلى أمته وشعبه وتاريخه، بل مايؤكد عمق ذلك الانتساب وقوته ورسوخه وصدقه، فهو انتساب شاعر وعى القضية، وعاش تاريخها، وعرف أبعادها، ذاق فيها المرّ، ورأى النكبة والنكسة، ولكنه لم يقنط، وظل متعلقاً بالقضية.
ومثلما أخلص أبو ريشة للقضية في فكره ووجدانه ومواقفه، كذلك أخلص لها في فنّه، فكان يجوّد شعره، ويتقنه، ويعنى بصوره، ويجدّدها، وينتقي ألفاظه، ويجوّدها.

ولعلّ أهم ماسيذكر له جرأته في انتقاد الحكام العرب، وتحميلهم مسؤولية ضياع القدس وفلسطين، والتنديد بحرصهم على عروشهم، كما سيذكر له دائماً ثقته بشعبه، وأمته، وتعليقه الأمل دائماً على الجندي والمقاتل والفدائي، وحماة الوطن، وإدراكه أن القوة دائماً هي السبيل إلى النصر.

ومن أهم المعاني التي كان يردّدها طهر القدس ونقاؤها، وإشارته إلى مكانتها لدى المسيحيين والمسلمين، فهي مهد عيسى ومسرى محمد، عليهما السلام، وكان يراهما دائماً متعانقين.

كما كان يرى في الصهاينة دائماً شرذمة من اليهود الكاذبين الظالمين الطغاة صانعي الأكاذيب مدنسي الحرم المقدس.

وفي هذا السياق كان يندّد دائماً بالإنكليز، لنكثهم وعودهم للعرب، ومنحهم العهود لليهود.

وكان مايفتأ يمجد الشهداء، ويأسى لآلام المشرّدين، واللاجئين، ويؤكد انتصار الحق بالقوة. وما كان يهنأ بعيد بل كان في كل عيد يذكر القدس، كما يذكرها في كل مناسبة، لأنه كان يحمل القضية في وجدانه.

وأمل الشاعر بالمستقبل، وثقته بالشعب، وتفاؤله بالنصر، ماكان ليمحو نغمة حزن كانت تشيع في كل ماقاله عن القدس وفلسطين، مثلما هي شائعة في شعره كله. كذلك لايغيب التاريخ عن شعره في القدس، ففي كل حين تأتلق أسماء خالد وصلاح الدين وكتائب الفتح، مثلما تألقت في شعره قصائده عن محمد وخالد والمتنبي والمعري. وإذا دلّ شيوع الحزن في شعره كله وتألق التاريخ على نزوع رومانتيكي، فإنه يدل على ماهو أهم من ذلك، ألا إنه الصدق والأصالة وتميز الصوت وخصوصيته.

ويلاحظ أخيراً أنه كان يعالج تلك المعاني بلغة شعرية راقية، فيها قوة وفيها متانة، وفيها صور جديدة، وإشارات بعيدة، شفيفة، حتى في القصائد التي يعرف أنه سيلقيها في مناسبة، وأمام جماهير حاشدة. لقد كانت المناسبات تقدح زناد قريحته، وتثير فيه شاعريته، وتحرضه على القول، فيجود فيها مثلما يجوّد في غيرها، فإذا هو مجوّد في قصيدة المناسبة مثلما هو مجوّد في غيرها، وإذا دلّ هذا على شيء، فإنه يدل على شاعر صادق، مخلص لشعره وفنه، في الحالات كلّها.

ويبقى عمر أبو ريشة بعد ذلك كله واحداً من مئات الشعراء العرب، الذين اعتنقوا القضية الفلسطينية، وعشقوا القدس، وتمسكوا بالحق العربي، وناضلوا بشعرهم وفنهم، وأحياناً بدمهم وأرواحهم، في سبيل النصر، ولم يكن أبو ريشة الصوت الفرد الوحيد. ولا بد من القول أيضاً إن أولئك الشعراء أيضاً هم ضمير الشعب، وصوت الأمة، وما التزام الشعراء القضية الفلسطينية إلا جزء من التزام الشعب العربي في كل مكان وكل قطر لهذه القضية، التي هي قضية العرب والمسلمين، ومقياس انتمائهم إلى أمتهم وأرضهم وشعبهم وتاريخهم. وإذا كان الشاعر يمتلك الأمل، ويحمل الثقة والتفاؤل، فلأنه يرى الشعب كله يضحي ويناضل، من أجل تحقيق ذلك الأمل.

--------------------------------------------------------------

المصادر

أبو ريشة، عمر، من عمر أبو ريشة شعر، دار الكشاف، بيروت، 1947. أبو ريشة، عمر، ديوان عمر أبو ريشة، دار العودة، بيروت، 1971. أبو ريشة، غنيت في مأتمي، دار العودة، بيروت، 1972. أبو ريشة، عمر، أمرك يارب، دار الأصفهاني، جدّة، 1398.

________________________________


القصائد وفق تاريخ كتابتها 1- قيود، (1937)، ألقيت في حفلة الذكرى للمجاهد إبراهيم هنانو، شعر 136/142 الديوان ص 552- 561، من البحر الكامل، مطلعها:



القصائد وفق تاريخ كتابتها 1- قيود، (1937)، ألقيت في حفلة الذكرى للمجاهد إبراهيم هنانو، شعر 136/142 الديوان ص 552- 561، من البحر الكامل، مطلعها:

وطن عليه من الزمان وقار
النور ملء شعابه والنار


2- شهيد، (1937) ألقيت في الحفلة التذكارية في حماه ودمشق للشهيد البطل سعيد العاص الذي استشهد في جبل النار بفلسطين ، الديوان ص 562- 575 شعرص 199- 208 من البحر الخفيف، مطلعها:

نام في غيهب الزمان الماحي
جبل المجد والندى والسماح


3- هذه أمتي، (1945)، ألقيت في حفلة افتتاح دار الكتب الوطنية في حلب بعد العدوان الفرنسي، وخروج الشاعر من السجن، شعر ص154- 163 الديوان، (ص 516- 528)، من البحر الخفيف، ومطلعها :

ماصحا بعد من خمار زمانه
فليرفّه بالشدو عن أشجانه


4- عرس المجد: (1947) ألقيت في الحفلة التذكارية التي أقيمت في حلب، ابتهاجاً بجلاء الفرنسيين عن سورية، شعر 145- 153 الديوان (ص 437- 449)، من البحر الخفيف، ومطلعها:

ياعروس المجد تيهي واسحبي
في مغانينا ذيول الشهب


5- بعد النكبة (1948)، ألقاها بعد نكبة 1948 في حفل ضم رئيس الوزراء في عهده وهو جميل مردم بك، وقد هجاه ببيتين لم يثبتهما في الديوان، ولكن الناس يتناقلونهما شفاها، يقول فيهما:

كيف تبغي أمة عزتها
إن أرحام البغايا لم تلد
وبها شبه جميل المردم
مجرماً في شكل هذا المجرم

والقصيدة في الديوان ص (7-11) وهي من البحر الرمل، ومطلعها:

أمتي هل لك بين الأمم
منبر للسيف أو للقلم


6- حماة الضيم: (1948) الديوان ص14- 20، من البحر الكامل ومطلعها:

عاتبته ونسيتِ طيب نجاره
وأبيتِ أن تصغي إلى أعذاره


7- ياعيد، (1949) الديوان ص 93- 95، من البحر البسيط، ومطلعها:

ياعيد ما افتر ثغر المجد ياعيد
فكيف تلقاك بالبشرى الزغاريد


8- عام جديد (1959) الديوان ص 64- 66، من مجزوء الكامل، ومطلعها:

وحدي هنا في حجرتي
والليل والعام الوليد


9- هكذا : (1954) الديوان، ص(25- 27)، من البحر الخفيف، ومطلعها:

صاحَ يا عبد فرفّ الطيب
واستعر الكأس وضج المضجع


10- بنات الشاعر: (1969) ألقيت في حفل تأبين الشاعر اللبناني الأخطل الصغير (الديوان 67-78) من البحر البسيط، ومطلعها:

نديك السمح له يخنق له وتر
ولم يغب عن حواشي ليله سمر


11- أنا في مكة، بلا تاريخ، مجموعة أمرك يارب، 1398هـ، ص 37- 57، من البحر الخفيف، مطلعها :

لم تزالي على ممرّ الليالي
موئل الحقّ ياعروس الرمال


12- أمرك يارب، 1395هـ، مجموعة أمرك يارب، 1398هـ، ص 9-19، ومطلعها:

يا ربّ أمرك هذا لاأطيق له
ردّاً فأمرك ياربي تولاّني
alsayda
وهذا أيضاً عن الموشحات الأندلسية

http://www.awu-dam.org/alesbouh%20802/922/isb922-026.htm
alsayda
المقال
تعريف:
عرف المجمع اللغوي في المعجم الوسيط بأنه: بحث قصير في العلم أو الأدب أو السياسة أو الاجتماع ينشر في صحيفة أو مجلة، وعرفه الأدباء بأنه قالب من النثر الفني يعرض فيه موضوع ما عرضا مسلسلا مترابطا يبرز فكره الكاتب، وينقلها إلى القارئ والسامع نقلا ممتعا مؤثر
ولم يكن المقال بالشكل الذي نراه في العصر الحديث معروفاً عند العرب، وإنما كان لديهم ما هو قريب من فن المقال، وذلك هو فن الرسائل الذي ظهر على أيدي "عبد الحميد الكاتب"، و "ابن المقفع" و "الجاحظ" و "ابن قتيبة"، و أمثالهم، ففي هذا الفن تناولوا جوانب من المجتمع على عهدهم، وخصوا كل جانب منها برسالة تعالجه في بساطة واسعة، وقد تكون الرسالة عدة صفحات، وقد تطول، فتقرب أن تكون كتاباً صغيراً). ارتبطت نشأة المقال في العصر الحديث بالصحافة، فظهر في ظلها، ورافقها على طريق التطور، وتأثر في ذلك بالمقال الصحفي الغربي، كما تأثر في عرضه بالاتجاه العربي

نشأته وتطوره:
عرفنا شيئا كالمقال الأدبي في العصر العباسي الأول : ممثلا في مقدمات الكتب وفى الرسائل الأدبية كرسائل الجاحظ ومنها (رسالة التربيع والتدوير) التي كتبها بأسلوب ساخر يتحدث فيها عن أحمد بن عبد الو هاب، فقد كان الجاحظ صديقا للوزير الأديب محمد بن عبد الملك الزيات يحضر مجلسه ويشترك في ندواته الأدبية والعلمية وكان أحمد بن عبد الوهاب ممن يحضرون هذه المجالس فحدث خلاف بينه وبين الجاحظ. فكتب هذا المقال (وكانوا يسمون المقال رسالة) يصفه ويسخر منه مستغلا ما فيه من قبح الهيئة والشكل فهو قصير عريض ويتظاهر بأنه طويل رشيق وسماها (التربيع و التدوير) لأن أحمد بن عبد الوهاب مربع طوله مثل عرضه. ومدور لاتساع بطنه. ومنها ((كان احمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول، وكان مربعا، وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا، وكان جعد الأطراف، قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي البساطة والرشاقة. . وكان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلفه للإبانة عنها بقدر غباوته فيها)). وفي العصر العباسي الثاني: وبظهور ابن العميد والقاضي الفاضل تأثرت الرسالة بطريقتهما في الكتابة من التزام السجع والإكثار من المحسنات البديعية المتكلفة. كقول القاضي الفاضل في تهنئة المسلمين باستعادة بيت المقدس: ((نصرنا الله بملائكته المسومين وأوليائه المؤمنين، وهذه موهبة مذهبة، ومنقبة لا تبلغ إلى وصفها بلاغة موجزة ولا مسهبة ونوبة ما بعدها للإسلام نبوة وحظوة في مذاق أهل التقوى و المغفرة حلوة. .)).
واستمرت المقالات تكتب تحت اسم الرسائل بهذه الطريقة، حتى بداية العصر الحديث وظهور الصحافة: فشاع اسمها الجديد (المقالة) وكانت المقالات في بداية العصر الحديث تكتب بلغة هابطة، على غرار ما كان سائدا في العصر العثماني ومن سماتها: ضعف الفكرة، والتطويل بدون فائدة، والسجع المتكلف على حساب المعنى، مثال ذلك ما كتبه عبد الله أبو السعود في جريدة وادي النيل: (إن من طالع سعدنا أن وصل إلينا بمصر القاهرة، في هذه الأيام الحاضرة، من نتاج أفكار أرباب القرائح العصريين، وثمرات أوراق أصحاب الفضل و الأدب السوريين، المتوقدة أذهانهم الآن بمدينة (بيروت)، و لا يليق بتاريخ العربية في هذا العصر أن يلزم في حقهم السكوت - عدة نسخ متوالية، وجملة أعداد متتالية..).
لكن الكتاب شعروا مع حركة العصر و متطلبات الصحافة و مستوى الجمهور بعبء اللغة التي يكتبون بها عليهم و على قرائهم. فحين بدأت النهضة تؤتي ثمارها: تحرر كتاب المقال من قيود الصنعة اللفظية وتناولوا الموضوعات الاجتماعية والسياسية، و استطاعوا أن يثيروا النزعات التحررية، و اهتموا بالنواحي الدينية و الأدبية، كإحياء التراث والاتصال بالغرب عن طريق الترجمة والبعثات، واستقدام الأساتذة وانتشار المطابع، وظهور الصحف والتعليم وظهرت طائفة من النقاد هاجموا الطريقة العثمانية وحرروا كتاباتهم من التكلف أمثال لطفي السيد وطه حسين والعقاد وعبد الله النديم، والإمام محمد عبده والشيخ علي يوسف، ومصطفى كامل و غيرهم
وفي منطقة الخليج والجزيرة العربية، شهد العقد الثالث من هذا القرن تطورا ملموسا في كتابة المقال السياسي و الأدبي والاجتماعي، ومن أبرز كتاب المقال بالبحرين والكويت في هذا الميدان: عبد الله الزايد، و محمود المردي، و عبد الله زكريا الأنصاري، و عبد الرزاق البصير، و محمد جابر الأنصاري
ويستمر تطور المقال، ويزداد تركيزا ودقة وقدرة على التحليل وبراعة في العرض، مع طواعية اللغة ولينها، وسلاسة الصياغة، والتخلص تخلصا تاما أو شبه تام من أثقال الصنعة، كما ارتاد المقال كل المجالات، واكتملت أنواعه وتميزت

المقال والصحافة:
يرى بعض النقاد إن المقال في اللغة العربية ارتبطت نشأته في العصر الحديث بالصحافة، إذ رافقها على طريق التطور متأثرا بالمقال الغربي (وقد عرضنا عليك فيما سبق أنه كان موجودا في الأدب العربي باسم (الرسالة) منذ العصر العباسي) ولكن الدكتور محمد مندور (في كتابه الأدب وفنونه) يرى غير ذلك ويقول: (ليس بصحيح أن ظهور المقالة كفن أدبي ارتبط بظهور الصحف والمجلات، فقبل أن تعرف الصحف، وقبل أن يخترع فن الطباعة الآلية بقرون طويلة عرف فن المقالة حيث أختاره عدد من الأدباء قالبا فنيا منذ عصر اليونان القدماء). ومعنى رأي الدكتور مندور: إن الصحافة لها دور كبير - لا في نشأة المقال - بل في تطوره والوصول به إلى درجة عالية من الدقة و التركيز، وبراعة العرض وسهولة اللغة وسلاسة الصياغة وتنوع الموضوعات بين دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية وأدبية و ثقافية، كما تنوع أسلوبه بين الأدبي والعلمي المتأدب، والعلمي البحت: وتحددت وسائل نشره من صحيفة أو مجلة، وارتبط بالتيارات الغالبة في المجتمع فكثرت المقالات السياسة مع الصراع السياسي وحركات التحرر، و المقالات الاجتماعية مع تيارات الإصلاح الاجتماعي، والمقالات الأدبية مع المعارك الأدبية- و امتاز أسلوبه بالمرونة وأسهمت الصحافة في رواجه وتطوره، وكذلك وسائل الإعلام المسموعة والمرئية فلا تخلو صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو شهرية أو برنامج في إذاعة أو قناة تلفزيونية من مقالات تعالج مشكلات المجتمع وتعبر عن آماله وآلامه وتحلل وتصل إلى النتائج.

أثر الصحافة في المقال العربي:
على الرغم من وجود المقال قبل تطور الصحافة تحت اسم (الرسالة) إلا أنها أثرت فيه تأثيرا كبيرا كما يلي:
ظهر المقال السياسي نتيجة للوعي القومي، ظهرت الصحف السياسية حافلة بالمقالات السياسية التي تنمي الوعي الوطني وتثير الجماهير وتبصرهم بحقوقهم كالمقالات التي كتبها الشيخ محمد عبده وعبد الله النديم وعلي يوسف و غيرهم

أفسحت الصحافة مجالا كبيرا في صفحاتها للأدباء لكتابة مقالاتهم الأدبية والاجتماعية والفلسفية، فلم يعد المقال فنا أدبيا قائما بذاته بل ارتبط بالحياة وتميز بخصائص كتابه

حرص الكتاب الذين نشروا مقالاتهم في الصحف على أن تظل بين أيدي القراء من الأجيال التالية، فجمعوها في كتب كان لها أثرها في نهضتنا الأدبية والاجتماعية. ومن هذه الكتب (الفصول: للعقاد - وحصاد الهشيم: للمازني - وحديث الأربعاء: لطه حسين – و وحي القلم: للرافعي – و وحي الرسالة: للزيات - وفيض الخاطر: لأحمد أمين - وفي المرآة : للبشري – و نماذج بشرية: لمحمد مندور).

نجحت الصحافة في جذب الكتاب إليها ونشط فن المقال بإتاحة الفرصة لنشره

كان للصحافة أثرها في تنوع المقالات، وجمعها بين الجد والطرافة، وملاحقة التطور الفكري والفني

أثرت الصحافة عن طريق المقال في لغتنا العربية الحديثة فدفعت الأسلوب إلى الترسل والوضوح والتركيز فلم يعد مقبولا أن تكتب المقالات اليومية أو الأسبوعية بلغة المقامات القديمة المرصعة بالمحسنات البديعية، ولم يعد لدى الكاتب وقت يمكنه من التفنن في هذه الزينة اللفظية، ولا القارئ لديه صبر على قراءته

كثير من كتاب المقالة في الصحف كانوا يجمعون بين الثقافتين العربية الأصيلة والغربية الوافدة، فارتفعوا بأسلوبها وعمدوا إلى التحليل والتعليل ووضوح الفكرة ودقة التعبير عنها، في عبارة سليمة سلسة وفي مقدمتهم: لطفي السيد وطه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل - والمازني وعبد القادر حمزة وأمين الرافعي وغيرهم



أنواع المقال:
من ناحية الشكل هناك المقال القصير: الذي يتناول فكرة واحدة بطريقة مركزة شائقة وبأسلوب واضح و عبارة سهلة - وأحيانا يختار كاتبه لمقاله القصير هذا عنوانا ثابتا مثل (فكرة: لمصطفى أمين – وما قل ودل: لأحمد الصاوي محمد - ونحو النور: لمحمد زكي عبد القادر (في جريدة أخبار الخليج) و (صندوق الدنيا: لأحمد بهجت - ويوميات لأحمد بهاء الدين - ومواقف لأنيس منصور - ومجرد رأي: لصلاح منتصر - ووجهة نظر لنجيب محفوظ وغيره) و في كل مقال يعرض الكاتب ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الدينية أو الاقتصادية، ويطلق على هذا اللون من المقال (العمود الصحفي - أو الخاطرة) وذلك لأن الكاتب المعاصر عند كتابته للمقال يتجاذبه عاملان: أحدهما يدعو إلى التطويل، نتيجة لكثرة المعلومات وثراء الأفكار - والآخر يدعو إلى الإيجاز، لضيق المساحة، ومراعاة لضيق وقت القارئ فكيف يوفق بينهما؟ لقد لجأ الكاتب إلى تناول فكرة واحدة في كل مقال، ومتابعة عرض الأفكار بعد ذلك وبهذا استطاع التوفيق بين الدافعين

وهناك المقال الطويل: الذي يتراوح بين صفحتين وعشر صفحات، في موضوع يعرضه الكاتب عرضا شائقا، بلغة سلسة واضحة، محققا عنصري الإقناع والإمتاع. ومن كتاب هذا النوع طه حسين و المازني واحمد أمين وغيرهم

ومن حيث المضمون: يختلف المقال بحسب طبيعة موضوعه و شخصية كاتبه وثقافته، فالكتاب يتفاوتون من ناحية خصب الفكر وضيق الأفق، والميل للتركيز أو البسط، والعمق والسطحية، وامتلاك القدرة اللغوية والقصور فيها

ومن حيث وسيلة النشر: يختلف المقال حسب وسيلة نشره، فما ينشر للعامة في الصحف اليومية مختلف عما ينشر في الكتب الخاصة

قد يكون المقال تصويريا: لتحليل شخصية أديب أو عالم أو غيرها؛ يبرز ما فيها من مزايا أو عيوب عن طريق رسم الصورة بالقلم لا بالريشة؛ كما فعل الشيخ عبد العزيز البشري في (مجلة السياسة الأسبوعية) حيث تحدث عن عدد من كبار الشخصيات المصرية التي عاصرها بأسلوب يجمع فيه بين الدعابة وصدق النظرة

وهناك المقال النزالي الذي يدور في المعارك الأدبية والفكرية

وهناك المقال الفلسفي: وهذا النوع ظهر كفن قائم بذاته لا كجزء من التحرير الصحفي

ومن حيث الأسلوب: هناك المقال الأدبي الذي يقوم على انتقاء الألفاظ وحسن تنسيقها وجمال الأسلوب ومزج الفكرة بالعاطفة و الاعتماد على الأدلة الخطابية واستخدام الخيال

وهناك المقال العلمي المتأدب: يعتمد فيه الكاتب على إيراد الحقائق في صورة جذابة مشوقة ويراعي التحديد والدقة والموضوعية في صيانة سهلة مع بعض الصور التوضيحية



خصائص المقال
هناك خصائص عامة تتحقق في كل مقال وأبرزها
التكوين الفني: و يتمثل في الوحدة المكتملة من ترابط الأفكار و انسجامها

الإقناع: عن طريق سلامة الأفكار ودقتها ووضوحها و الأدلة العقلية أو الخطابية

القصر: وذلك بأن لا يتجاوز بضع صفحات

الإمتاع: بالعرض الشائق

كونه نثرا: فالمقال فن نثري وليس شعرا إذ أن جانب الفكر فيه أكبر من جانب العاطفة

الذاتية: تظهر في المقال ذاتية الأديب و عاطفته ورأيه الشخصي

يتنوع أسلوب المقال تبعا لـ:

شخصية الكاتب

طبيعة الموضوع

وسيلة النشر


أما السمات الأسلوبية المشتركة بين المقالات فهي

وضوح الأسلوب: وتجنب الغريب من الألفاظ والترفع عن الألفاظ العامية المبتذلة والبعد عن الكنايات البعيدة و المجازات ا لغامضة

قوة الأسلوب: وبعده عن الخطأ في القواعد أو تنافر الحروف وغرابة الألفاظ وقلق العبارات والحشو والتطويل في الجمل

جمال الأسلوب: باختيار الألفاظ الملائمة للمعنى والصور الحسنة وبعض المحسنات غير المتكلفة




أبرز مؤشرات القرن المقبل وملامحه
معاني الكلمات
معناها الكلمة
يأتي – يكشف – تتولد يتمخض
شاركه – يقاسمه يشاطره
تتفاعل تحاور
التفهم و الإدراك التبصر
يصيبنا يعتو رنا
التعرقل – التأخر – الضياع التعثر
جمع إرهاصة (مشاعر و أحاسيس) إرهاصات
عدم الاهتمام اللامبالاة
استطاعة – قدرة – قوة اقتدار
النظير للنظير الند للند
عدم الإنتاج عقما
فشلا إحباطا
وسط – مقر – مركز عقر
النظرة السريعة نظرة الطائر
جمع صقيع – (النواحي و الأرجاء) الأصقاع

alsayda
مازال يوسف الشاروني يواصل رحلته الإبداعية. لقد اجتاز خلال هذه الرحلة الطويلة العديد من التجارب. مارس كل الأنواع الأدبية. و خلال ذلك ظلت الكلمات هي وسيلة اتصاله الوحيدة بالقارئ العربي. وحتى حين تركزت الأضواء على تجربته في بداية الستينات كان الأدباء الشبان في مصر هم الذين وجهوها إليه واعترفوا جميعا بأنهم ينتمون إلى تيار التحديث في القصة الذي بدأه من خلال مجموعته الأولى ((العشاق الخمسة)).
لقد فتح الشاروني من خلال هذه المجموعة تيار اللاوعي في القصة العربية الحديثة، وألغى بذلك الكثير من القيود التقليدية، وخلق نوعا من الموازي لما يعتمل في النفس البشرية. وقد ظلت الريادة أحد الملامح المميزة لمسيرة الشاروني سواء في القصة أو المقالة أو حتى في تعامله مع التراث العربي. صدرت له ثماني مجموعات قصصية ((رسالة إلى امرأة)) - 1960، و ((الزحام)) -1969، و ((الكراسي الموسيقية)) -1964، و آخرها ((القصة تطورا وغردا)) - 1995. وعمل مستشارا ثقافيا في سلطنة عمان الشقيقة سنوات عدة، وقد أتاحت له هذه السنوات خبرة الانفتاح على التراث العربي والثقافة الخليجية. كتب عن سلطنة عمان 6 كتب أهمها ((سندباد في عمان)) -1986، و ((في الأدب العماني الحديث)) -1990. كما أنه قام بتحقيق بعض أعمال من التراث والترجمة ونشرت عنه العديد من الدراسات وترجمت قصصه إلى الإنجليزية والفرنسية و الأسبانية وغيرها من اللغات.
.
Invision Power Board © 2001-2008 Invision Power Services, Inc.