التعريف بظاهرة الاستنساخ ومداراتها
الاستنساخ في اللغة مصدر معناه طلب عمل نسخة أخرى من كتاب مكتوب، أي: مطابقة للأصل تمامًا، منه قوله تعالى: "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" [الجاثية: 29]، وقال صاحب لسان العرب: معناه: نستنسخ ما تكتبه الحفظة، فيثبت عند الله. وفي التهذيب: أي نأمر بنسخه وإثباته.
و(( الاستنساخ )) هي الكلمة العربية التي وضعت لتقابل كلمة Cloning الإنجليزية المأخوذة من Clone ، والتي تعني الواحد من مجموعة الأحياء التي أُنتجَت من غير تلقيح جنسي. وأصل الكلمة من كلمة: Klon اليونانية، والتي تعني البرعم الوليد.
وبيان ذلك أن تكاثر النبات، وسائر الأحياء، في الطبيعة التي خلقها الله تعالى، يحصل بطريقتين:
الطريقة الأولى: التكاثر الجنسي، ففي النبات تتكون البذور من تلقيح عضو التأنيث في الزهور، بلقاح مذكر من نفس الشجرة، أو من شجرة أخرى من نفس الفصيلة. وفي الحيوان والإنسان تتحد نواة بييضة الأنثى بحيوان منوي تفرزه غدة ذكرية. فتتكون بذلك الخلية الأولى. ثم تنقسم الخلية الأولى إلى اثنين، فأربع، فثمان، وهكذا. وتتخصص الخلايا لتكوين أعضاء متمايزةٍ في جسد الحيوان الجديد من قلب ورأس وكبد وعين ويد ورجل وغير ذلك.
وهذا النوع هو الأصل والأكثر في الخلق، في النبات والحيوان. وقد قال الله تعالى: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" [ الذاريات: 49 ]. وقال سبحانه: "فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى: 11].
ومعنى يذرؤكم: قال الزجاج: "يكثّركم الله بجعله منكم ومن الأنعام أزواجًا. (لسان العرب)، وقال ثعلب: يكثّركم به.
والمعنى: أن هذه الوسيلة، وهي التزاوج، وخلق الذكورة والأنوثة، جعلها الله بقدرته وعلمه وحكمته، آليّة يتكاثر بها الأحياء، بما فيه من التقدير العجيب الدقيق. وقد مدح الله نفسه بعد أن ذكر هذه الوسيلة، بأنه ليس كمثله شيء، أي: لما فيه من الحكمة البالغة والقدرة الباهرة، التي لا يستطيع أحد غيره أن يصنع مثلها، ولا ما يدانيها. ولا تزال تقنيات علوم الوراثة تكشف شيئا فشيئا من عجائب هذه الوسيلة، ودقة الصنع فيها. وسيأتي أثناء البحث التنبيه على ذلك.
ولعل في قوله تعالى: "يذرؤكم فيه" معاني تلمح إليها الكلمة، سوى مجرد الخلق. فإن لفظ "الذرء" يوحي بالنشر في الأرض، واختلاف الألوان والأجناس والأوصاف، في البشر وغيرهم. ففي لسان العرب: من الذرء الذرية. والزرع أول ما تزرعه يقال له: الذريء، والذَّرَأُ: الشيب في مقدم الرأس. وفرس أَذْرَأ: أي أرقش الأذنين.
الطريقة الثانية:
هو ما يمكن أن يدخل تحت عبارة "النسخ": هو أن يؤخذ جزء من جسم حي، ثم يوضع في بيئة مناسبة من حيث الحرارة والرطوبة وغيرهما، فيها من الغذاء المناسب. حتى يبدو ذلك الجسم الحي بالنمو، ليصير مثل الأصل تمامًا. كما أن النسخة من وثيقة أو مقال، المأخوذة من الكربون، أو بالآلات الناسخة، تكون مطابقة للأصل المكتوب تمامًا.
وهذه الطريقة كانت مستعملة في تكثير النبات من عهود قديمة، عرفها الإنسان بالتجربة عبر العصور، ولها طرق نعرفها ويعرفها أهل الفلاحة، ومنها:
أ - أن يؤخذ غصن من التين أو العنب أو الرمان أو الورد مثلاً، ثم يُدفن في تربة زراعية رطبة، ويترك طرفه الأعلى بارزًا، ويتابع بالسقي. فإن كان ذلك في جو بارد ومناسب، فإنه يبدأ بالنمو حتى يكون شجرًا كأصله تمامًا. وقد طُوِّرت هذه الطريقة في السنوات الأخيرة حتى أصبحت ذات مردود اقتصادي كبير في تكثير الأشجار ذات الخصائص الممتازة.
ب – وثمة طريقة أخرى تُسمَّى في عالم الزراعة: التطعيم، وقد تُسمّى التركيب.
وهي أن تؤخذ من لحاءٍ حي من شجرة، رقعة قدر الظفر، فيه برعم، ثم تلصق على عصبة غصن من شجرة أخرى من نفس الفصيلة، بعد نزع اللحاء عن العصبة، وتربط ربطًا محكمًا. فبعد أيام قليلة يبدأ هذا البرعم في النمو بإذن الله تعالى، حتى يكون شجرة من نفس نوع الشجرة المأخوذ منها البرعم. ثم تقطع الشجرة الأولى من فوق البرعم. وبهذه الطريقة يمكن قلب شجرة اللوز مثلاً إلى مشمش أو دُرّاق أو برقوق أو غيرها من فصيلة اللوزيات.
ويمكن بهذه الطريقة أيضًا قلب شجرة السفرجل إلى إجاص أو تفاح أو غيرهما من فصيلة التفَّاحيات. وقد طُورت هذه الطريقة في عالم التقنيات الزراعية فيما أعلن عنه في العشرين سنة الأخيرة فأدّت إلى نتائج باهرة لها مردود اقتصادي وفير.
أشكال النسخ الحيوي
أما في نطاق المملكة الحيوانية: فإن التكاثر بالنسخ موجود في بعض الحيوانات الدنيا، منها نجم البحر. أما في الحيوانات الثديية فلم يمكن إجراؤه على أيد البشر إلا في السنوات الأخيرة من القرن الميلادي

.
عملية شطر الأجنة:
فقد أمكن شطر الجنين في مرحلة الخليتين، أو أربع، أو ثمان، لتكون كل خلية منها كائنا حيًا مستقلاً بذاته، ولو قُيِّض لكل منها بيئة مناسبة لنموه، بأن يزرع في رحم الأنثى من نفس الجنس، سواء رحم الأم أو غيرها، فإنه ينمو نموًا عاديا. فإن ولدت هذه الأجنة التي أصلها خلية واحدة، كانت مما يُسمّى التوائم المتطابقة، أي أنها متطابقة تمامًا في جميع الصفات الوراثية.
وقد أمكن تجميد هذه الأجنة، وأمكن بذلك حفظها حية جاهزة للعمل لمدد قد تطول. فإذا أريد أن تنمو تعاد في الأرحام لتواصل نموها إلى أن تولد ولادة معتادة.
وقد أمكن أجراء هذا النوع في الأغنام والأبقار منذ سنوات، وقبل ذلك أمكن إجراؤه في الضفادع

.
عملية استعارة الخلية الأولى:
وأخيرًا تمكنت تكنولوجيا الوراثة من استنساخ حيوانات ثديّية من خلايا جنينية، وهي ما يمكن تسميته بالخلايا الجسدية. فقد أعلن أيان ويلموت وزملاؤه، من معهد روزلين في أدنبرا باسكتلندا، في رسالة لهم إلى مجلة نيتشر Nature، ونشرتها المجلة في عدد 27/2/1997م ـ أنهم تمكنوا من توليد نعجة من نعجة أخرى من تلقيح جنسي، وسموا النعجة الوليد دوللي.
والطرقة التي اتخذوها لذلك أنهم أخذوا بييضة غير ملقحة، وأفرغوا البييضة من نواتها، وأدخلوا في البييضة مكان النواة المنزوعة، نواة خلية جسدية مأخوذة من ضرع نعجة أخرى حامل. وتمكنوا من دمج هذا النواة داخل البييضة باستخدام تيار كهربائي. ثم أعادوها في رحم نعجة ثالثة. فبدأت الخلية الانقسام إلى خلايا، إلى أن تكوَّن منها جنين كامل، خرج إلى النور حيًا يرزق. ولعل ذلك لأن النواة المأخوذة تحوي ما تحويه المخصبة القابلة للانقسام. وكانت (دوللي) مساوية في أوصافها للنعجة صاحبة الخلية الجسدية. وقال ويلموت: إن هذه أول حالة تسجل لاستنساخ ثديي من خلية غير جينية. فكان هذا الإنجاز حدثًا فريدًا في بابه، يرى بعضهم أن آثاره على الجنس البشري ستكون أعظم من آثار القنبلة الذرية.
ونحن نرى أن اسم (( الاستنساخ ) و(( النسخ )) يصدق على كلا النوعين، ونرى أن يوضع لكل من النوعين اسم يخصه، من أجل سهولة التعبير ودقة الدلالة

. و نرى أن نسمي النوع الأول (النَّست) أو (الاسْتِنْسات)، وأن نسمي النوع الثاني (النَّسْد) أو (الاسْتِنْساد)

.
الفرق بين طريقتي التكاثر:
تمتاز طريقة التكاثر الجنسي بأمور، منها:
أولاً: أن الكائن المتخلِّق بها يحمل من حيث الجملة بعض الصفات الخاصة بالأب، وبعض الصفات الخاصة بالأم، ويستكن فيه بعض الصفات الخاصة بالأجداد والجدات من الطرفين منذ القدم، كما نبه إليه النبي r ، وذلك فيما ورد من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رجلاً أتى النبي r قال له: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. فقال: "هل لك من إبل؟" فقال: نعم. قال: (( فما ألوانها؟)) قال: حمر. قال: "هل فيها من أورق؟" قال: نعم. قال: "فأنَّى أتاها ذلك؟" قال: "لعله نزعه عِرْقٌ". قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق". (أخرجه البخاري ومسلم).
فالمخلوق الناشيء من ذلك يكون بمجموع هذه الصفات المورثة، والصفات المستجدة فيه، حاملاً الصفات الأساسية من جنسه من جهة، وفيه ميزات تجعله منفردًا عن باقي أفراد جنسه. ومما عُلِم من ذلك: صفة الصوت، وبصمات الأصابع، وهيئة المشي وأنواع من الصفات الفكرية والخلقية، مما لا يتفق فيه اتفاقًا تامًا اثنان من أفراد الجنس، ولو كانا أخوين لأب وأم. فلكل إنسان فرديته التي يتشخص بها ويعتز بها، ويعتبرها ذاتيته التي لا يبغي بها بدلاً ولو أتيح له البدل.
أما الكائن المتخلق بالنسخ، فإنه يكون مطابقًا للكائن المنسوخ منه، وهو في النبات الأصل المأخوذ من البرعم والغصن، وفي الحيوان: الأصل المأخوذ منه الخلية. ويكون التساوي بين الأصل والفرع في جميع الصفات الموروثة تامًا، مائة في المائة

، سواء في الطول واللون والصوت والشكل ولون الشعر والعينين وشكل الكفين والقدمين والأظفار. حتى أن بصمات أصابع الطرفين تكونان متساويتين دون أي اختلاف، حتى أنه لا يمكن التميز بينهما، كما هو معروف في ظاهر التوائم المتطابقة. وهكذا لو استُنسخ شخص واحد ألف شخص، فإنهم يكونون جميعًا بهذه المثابة.
وثانيًا: في التكاثر الجنسي لا يدري كيف يكون الحمل عندما يولد: ما شكله؟ وما لون جلده؟ وكيف سيكون لون عينيه؟ ولا يدري سيكون طويلاً أو قصيراً؟ ذكياً أو بليداً؟ وهل سيكون ذكرًا أو أنثى؟ قال تعالى: "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام" [لقمان: 34].
أما في التكاثر الاستنساخي، فإنه يمكن العلم من ذلك من أول الأمر، تبعًا للقاعدة المعلومة في شأن الخلق، أن النسيخ مطابق للأصل المنسوخ منه. لكن إلى الآن لا يعلم كم سيكون مقدار عمر خلايا النسيد، ففي النعجة (دوللي) لا يدرى… هل عمر خلاياها عندما ولدت ست سنوات أم عمرها جديد كعمر الجنين حين يولد من حمل جنسي؟ ولم يبتَّ علماء الوراثة في ذلك إلى هذا الوقت فيما بلغه علمي

. فإن كان الأمر الثاني هو الذي تحقق، فسيسقط النسيد ضحية لأعراض شيخوخة مبكرة. وهكذا لا يدرى هل سيكون هذا النسيد قادرًا على التناسل كغيره من الحيوانات، أم أنه سيكون عقيمًا لا يلد.
فوائد الاستنساخ في عالم الحيوان:
مما يؤمله العلماء من المصالح التي تعود على البشر من استنساخ الحيوانات:
أولاً - إنتاج حليب بشري من الحيوانات كثيرة الدرّ، فقد كان الهدف العلني لويلموت وجماعته من تجاربهم في الاستنساخ، هدفاً اقتصاديا، بأن تخلق عنهم بالهندسة الوراثية نعجة قادرة على إنتاج حليب بشري، ثم يستنسخوا منها قطعانا من الأغنام بالطريقة التي أنتجت بها (دوللي) ليمكن تجفيف حليب هذه القطعان وتعليبه بشكل مسحوق، وتسويقه تجاريا، ليمكن تغذية الأطفال به، خاصة الأطفال الخدَّج. أمّلت الشركة الممولة لتك الأبحاث أن تجني أرباحًا طائلة من وراء ذلك؛ ولذا ارتفعت أسعار أسهمها بمجرد الإعلان عن هذا الكشف العجيب.
ويقول مدير الشركة: إنه من الممكن الآن إنتاج قطعان من الماشية، في حليبها مزيد من الأنزيمات.
ثانيًا – يؤمّل ممولو المشروع أن الاستنساخ في الحيوانات سيفيد البشر بكثرة إنتاج حيوانات جيدة وكثيرة اللحم والصوف، بالإضافة إلى تحسين الوضع جدًا بالنسبة إلى سائر المنتجات الحيوانية.
ثالثاً - إن كان النسيد يساوي الأصل في الذكورة والأنوثة، فيمكن جعل الأحمال كلها إناثاً ذكوراً بحسب الحاجة. وفي ذلك من الفوائد الاقتصادية ما لا يخفى. حيث يمكن الاستغناء في عملية التكاثر في الحيوانات الداجنة عن الذكور، بأخذ النواة من خلية أنثوية. وفي ذلك اقتصاد في النفقات ينعكس على أثمان اللحوم والحليب بالرخص.
الاستنساخ في عالم البشر:
إن إمكانية الاستنساخ لحيوان ثديي، التي تحققت مؤخرًا، جعلت علماء الوراثة يثقون بإمكانية التوصل في مدى قصير، إلى استنساخ البشر من خلايا جنينية، وأيضًا من خلايا جسدية، هذا من الناحية التقنية الصرفة. وقد قدر بعضهم المدة اللازمة لذلك بعشر سنوات. وقدرها آخرون بسبع، على ما ذكر في مجلة الطبيعة نيتشر Nature ومجلة

النيوزويك Newsweek .
ويعزى السبب في هذا التأخير إلى أن طبيعة الانقسام في الخلايا الجنينية البشرية، تختلف نوعًا ما عن طبيعة انقسام الخلايا الجنينية للغنم وسائر الحيوانات، ويحتاج التغلب على هذا العائق إلى مزيد من التقدم في تكنولوجيا الاستنساخ البشري.
وقد نجح ويلموت وجماعته في استنساخ حيوان ثديي من خلية بالغة، وهو ما مثَّل مفاجأة كبرى لم يتقدمها إرهاصات لافتة النظر. وما أوحى به هذا النجاح من إمكانية استنساد البشر كان تحدياً كبيرًا لعلماء الأديان والأخلاق والمقنّنين، لم يكن لديهم الوقت الكافي لمواجهة ولتدارس ما ينبغي أن يكون عليه موقفهم تجاه استنساد مخلوق بشري.
وموضع الخطورة، كما توضحه بعض الأبحاث العلمية، أنه سيكون بإمكان أي متخصص في تقنيات الوراثة، في مختبر له متواضع، أن يقوم بعملية الاستنساد. وسوف يكون لطلاب المصالح والمنافع العاجلة، سواء كانت حقيقية أو موهومة، وسواء قصدت لخير أو شر، مغامرات للحصول على خدمات هؤلاء المتخصصين. فلو صدرت القوانين التي تمنع الاستنساخ البشري، فبإمكانها أن تمنع ما يجري علنًا، ولكنها لن تكون قادرة على منع ما يجري في الخفاء، مع قوة الإغراءات. قد قدر أحد العلماء أنه في شهر آذار 1997م يوجد عشرة مختبرات على الأقل، بإمكان كل منها أن يقوم بما قام به فريق معهد روزلين. ثم تزايد هذا العدد بسرعة كبيرة فيما بعد دوللي.
والولع بالبحث العلمي لدى القادرين عليه سيكون حافزًا آخر لمواصلة الأبحاث حول هذا الموضع لاستكشاف سائر آفاقه، وتحقيق ما لم يحققه غيرهم، وفتح الطريق إلى عوالم جديدة في المعرفة، وفي الاقتصاد وغيره، لم تكن معروفة من قبل.
وقد سارع كلينتون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق إلى تكوين لجنة اتحادية مهمتها أن تستكشف أفق الاقتراحات القانونية والأخلاقية حول هذا الموضوع، وأن تعد له تقريرًا ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة تنظيم الاستنساخ البشري، ووضع الضوابط له، أم أن الذي ينبغي هو حظره بالكلية؟ ويرى بعض العلماء المتابعين للموضوع أن هذه اللجنة سوف تصل إلى نتيجة هي أن (استنساخ إنسان أمر غير مقبول للذوق العام الأمريكي
نحو اجتهاد يضبط قضية الاستنساخ
الأحكام الشرعية للاستنساخ
تنقسم الأحكام الشرعية لأفعال العباد إلى قسمين الأحكام التكليفية من حل أو حرمة أو كراهة أو استحباب أو وجوب. والثاني: الأحكام الوضعية، وهي الآثار التي يستتبعها الاستنساخ. وفي ما يلي نتناول الأحكام الشرعية الخاصة بالاستنساخ.
القسم الأول: الحكم التكليفي للاستنساخ:
الاستنساخ كما تقدّم، نوعان:
الأول: الاستنساخ من خلية جنينية (وقد سميناه الاستنسات).
الثاني: الاستنساخ من خلية جسدية (وقد سميناه الاستنساد).
أولا: الحكم التكليفي للاستنسات:
إن توليد التوائم بفصل الجنين في أيامه الأولى (طور الخليتين أو الأربع أو الثماني) لتكون كل خلية منها جنينًا مستقلاً عن زرعها في رحم امرأة: أمر شبيه بأطفال الأنابيب، إلا أن الطفل النسيت سيكون مطابقًا لسائر الأطفال الذين أصلهم أصله: أي خلية واحدة، فيكونون توائم. لكن الذي هو معتاد في الوضع الطبيعي للتوائم أن يكون حملهم في فترة حمل واحدة، أما في الاستنسات فسيكون من الممكن أن يختلف زمان حملهم، فيكونون توائم لكن بعضهم أكبر سنًا من البعض الآخر بسنة أو سنوات.
من أجل ذلك أرى أنه ينطبق على الاستنساخ بهذه الطريقة حكم الحمل بطريقة أطفال الأنابيب الذي سبق لندوة الإنجاب الوصول إليه، وأخذ به مجمع الفقه الإسلامي في جدة. وحاصله ما يلي:
إن هذه العملية محرمة إذا كان في العلاقة طرف ثالث غير الزوجين، سواء كان منيًا أو بويضة أو رحمًا.
تعبر هذه العملية جائزة ضمن الضوابط التالية:
أ – أن يكون ذلك بين الزوجين، بأن تكون الخلية مخصبة بماء الزوج، وأن تزرع في رحم الأم نفسها صاحبة البويضة، التي هي الزوجة نفسها، وليس غيرها بحال من الأحوال.
ب – أن يكون ذلك أثناء قيام الزوجية، وليس بعد الانفصال بفرقة في الحياة أو بالموت.
ج – أن تراعي الضمانات الكافية لمنع اختلاط الأنساب.
وأرى – كذلك - أن تضاف إلى ذلك الضوابط التالية:
د – أن يكون ذلك بموافقة الزوج وعلمه.
هـ- أن يكون بموافقة الزوجة وعلمها.
و – أن تترك الأجنة الفائضة للفناء بمجرد انقضاء الحاجة إليها. أو انفصال الزوجين، أو رغبتهما أو رغبة أحدهما في التخلص منها، أو وفاة أحدهما أو كليهما.
وقد ذهب بعض الأطباء إلى أن ترك الأجنة الفائضة للموت محرم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريم الاستنسات قطعًا وبكل وجه؛ لأنه لا يمكن في الواقع إجراء هذه العملية إلا ويفيض فيها أجنة، ستترك للموت، وقد قال أحد المتخصصين في ذلك: وذلك نوع من الوأد المحرم، وإن لم تترك للموت، وأودعته في أرحام نساء أخريات، فهو محرم كذلك.
وعندي أن هذا اعتراض مرفوض من أساسه. فلم يجعل الشرع للجنين قبل التخلق أي اعتبار، ولا بنى عليه أي حكم شرعي. ويصرح فقهاء الحنابلة بأنه "يجوز لأنثى شرب دواء مباح لإلقاء نطفة "(1) وقد أبديت رأيي في هذا بإسهاب في مناقشات ندوة الإنجاب

. وحتى في القرار الذي اتخذ في ندوة الإنجاب لم يجعل للبييضة الملقحة أية حرمة إلا بعد العلوق بجدار الرحم، أما قبل العلوق فلم يجعل القرار له أي حرمة.
ثانيًا: الحكم التكليفي الاستنساد ( النسخ من خلية جسدية ) البشري:
الأمر في هذا النوع أخطر من سابقه:
ورأيي في هذا أنه حرام بكل حال، ولا يأتي فيه ولو صورة واحدة جائزة. فإما أن الأصل فيه التحريم؛ فهو من وجوه ثلاثة:
الأول: المفاسد التي تقدم تعدادها، وهي مفاسد عظيمة تربو على كل ما يتصور في هذه العمليات من المصالح، وينشأ منها ضرر خطير على النسيد نفسه، وعلى المجتمعات، من جراء ذلك. ولا يبعد أن يتنبه المفكرون والأطباء في المستقبل إلى مفاسد أعظم مما ذكرناه.
الثاني: أنه في الحقيقة شغل لرحم امرأة بغير وجه مشروع؛ لأن النواة إن أخذت من رجل أجنبي أو امرأة أجنبية أو من المرأة نفسها صاحبة الرحم والبويضة، فواضح امتناع ذلك شرعًا، إذا لا يجوز أن يشغل رحم امرأة بحمل ليس من زوجها. وإن أخذت من جسد الزوج، فهي خلية في الأصل نابتة من خلية ملحقة بماء أبي هذا الزوج.
الثالث: أنه قلب لأوضاع الشرعية؛ لأن الخلية إن أخذت من زوج امرأة أخرى أو رجل أجنبي، فسينشأ طفل ليس له أب شرعي وهذا تغيير للخلق، وحرمان للطفل من أب ينتسب إليه، يرعاه الأب ويقوم بشؤونه لينشأ بشرًا سويًا
وهو في الحقيقة تكثير لظاهرة اليتم ومآسيه في المجتمع.
وإن أخذت الخلية من المرأة نفسها التي سوف تحمل به، فلا يجوز أن ينسب إلى زوجها؛ لأن الخلية ليست ملقحة بمائه، ولا يجوز أن ينسب إلى أبي هذا الزوج أيضا، لأن الولد للفراش. فسيولد هذا الطفل وليس له أب شرعي طبيعي.
ففي كل الأحوال سيكون هذا النسيد غير منتسب إلى أب شرعي طبيعي، ولا يمكن تصور انتسابه إلى أب شرعي طبيعي بحال. من أجل ذلك أرى تحريم هذه العلمية تحريمًا مطلقًا.
القسم الثاني: الأحكام الوضعية للاستنساخ:
أما في الصورة التي قلنا بجوازها وبأنها شبيهة بطفل الأنابيب إذا استعمل حسب الضوابط المبينة، فإنه يثبت نسب الوليد إلى أبيه زوج المرأة التي ولدته. ويستتبع ذلك أنه تثبت له جميع الحقوق التي تثبت للابن الشرعي وتثبت عليه، كالميراث والحضانة والنفقة والوصاية وغيرها.
وأما في الصور المحرمة، فإن الأمر يختلف. ولا يمنع القول بتحريمها من النظر في الأحكام الوضعية الناشئة منها؛ لأن الاستنساخ المحرم قد يقع رغمًا عن القرارات المتخذة بتحريمه وعن القوانين المحرمة له، أو يقع في بيئات أخرى لا تحضره. ونذكر هنا جملة من هذه الأحكام الوضعية:
1-النسب:
تحرص الشريعة بمجموع أحكامها على الحفاظ على الأنساب، وتحريرها من العبث بها، لينشأ الطفل في بيئة يعترف بها الشرع والمجتمع، مكونة من أبيه الشرعي الذي هو أبوه الطبيعي فعلا، ومن أمه الشرعية التي هي أمه الطبيعية أيضًا.
ومن هنا حاربت الشريعة الزنا، وحرمت انتساب الرجل إلى غير أبيه، كما في قول النبي : "إن من أعظم الفرى أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه" (أخرجه البخاري). وحرمت التبني. وجعلت من أعظم الذنوب أن ُتدخل المرأة على قوم ولداً ليس منهم.
أ ـ من هو أبو النسيخ:
القاعدة الشرعية هي أنه إن اختلف الأب الشرعي عن الأب الطبيعي في بعض الصور الخارجة عن النظام الشرعي، فالحكم أن الطفل ينسب إلى أبيه الشرعي، وهو زوج أمه. فأي امرأة ولدت ولداً فأبوه شرعًا هو زوج تلك المرأة التي ولدته إن أمكن كونه منه. ولو قال الزوج: ليس هو ابني، لم ينتف عنه، ما لم ينفه بحكم اللعان الوارد بسورة النور. وسواء كان الزوج هو الأب الطبيعي الذي حصل الإخصاب بمنيه أم لا، ففي الصورتين هو لاحق به، لقول النبي : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (أخرجه البخاري ومسلم)

. فعلى هذا: إن كان للمرأة التي ولدته زوج فهو أبوه الشرعي، فإن انتفى منه بلعان فليس له أب شرعي، وإن لم يمكن كونه منه فليس له أب شرعي كذلك.
وهكذا إن كانت المرأة التي ولدته ليس لها زوج. فلا ينتسب مثل هذا النسيخ إلى أب أصلاً، لقول النبي : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
ب ـ من هي أم النسيخ:
هذه النقطة قد يكون فيها اختلاف في وجهات النظر: فقد يقال: الأم هي صاحبة البييضة التي أخليت من نواتها. أو يقال: الأم هي صاحبة الـ23 كروموسومًا الأنثوية، وهي أم الشخص المأخوذة منه الخلية الجسدية. أو يقال: إن الأم هي صاحبة الرحم الحامل.
هذا، وإن تقرير أي هذه الأوجه الثلاثة هو الصواب المعتمد لا تحسمه الفتاوى الفردية، بل لا بد فيه من قرار جماعي، من جهة شرعية ذات اختصاص، لما يترتب عليه من أمور عظيمة.
2-العقوبات:
إن جرى الاستنساخ بالوجه الجائز فلا عقوبة. وإن جرى بوجه غير جائز فلا تستحق العقوبة الحدية؛ لأن حد الزنى لا يثبت إلا بالوطء المحرم، ولا وطء هنا، ولكن تستحق العقوبة التعزيرية على المرأة، وعلى من أمر بالعملية، أو شارك في تنفيذها. ويمكن أن تحدد القوانين مقدارها. وينبغي أن تتنوع بحسب عظم الجرم.
3-الحضانة والنفقة:
حضانة النسيخ لأمه التي يصدر القرار بأنها أمه، ثم لباقي القرابات على النظام الشرعي المتبع في الأحوال العادية.
ونفقة النسيخ على أبيه الشرعي ثم على باقي الأقارب. فإن لم يوجد من تلزمه نفقته تكون النفقة في بيت المال.
4-الولايات والميراث:
الطفل النسيخ يرث أباه الشرعي وأمه الشرعية، وسائر الأقارب، على النظام المعروف في أحكام المواريث. وهم يرثونه إن مات. ووليه هو الأب الشرعي. وإن لم يكن له أب شرعي فعصبته أمه، كابن الملاعنة، وابن الزنا.
5-الدين:
يتبع النسيخ خير أبويه دينًا، والمراد الأبوان الشرعيان. ولا عبرة بالأصل المنسوخ منه، ولا بصاحبة البييضة إن اختلفت عن صاحبة الرحم الحامل.
فإن لم يعلم له أب ولا أم، ووجد في دار الإسلام، فهو مسلم تبعًا للدار، ولقول الله العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام) "آل عمران:19".
http://www.islamonline.net/Arabic/contempo...ticle18-5.shtml