السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مكاتب المحاسبة ليس لديها الرغبة في المساهمة في تعديل منهجية أقسام المحاسبة بالجامعات وتتجاهل الدور الاجتماعي للمهنة
هناك دور اجتماعي لكل مهنة ولمهنة المحاسبة دور مهم في خدمة المجتمع وذلك في المساهمة في نشر الوعي المحاسبي وكذلك في دراسة منهجية أقسام المحاسبة ودعمها مادياً لتتوافق المخرجات الجامعية مع متطلبات السوق المحاسبي للمهنة وتطوير أداء المحاسبين وحول هذا الموضوع كان لنا هذا اللقاء مع الدكتور سليمان التويجري أستاذ المحاسبة بجامعة الملك فهد.
"الرياض": نجد ان طبيعة الأفراد والمجتمع في دولة مثل أمريكا واضحة لدور مكاتب المحاسبة، بسبب ملامستهم الاستثمار والأسهم، أما نحن فهذه الممارسة دخيلة علينا ولا يفهمها إلاّ المحتكون بالمكاتب سواء دائنين أو مقرضين بشكل رئيسي أو مستثمرين.. هل وعي المجتمع يتحمل جزءاً من هذه المشكلة؟
- د. سليمان التويجري: هناك إطار نظري لدور مكاتب المحاسبة وهو إصدار تأكيدات ورأي حول النتائج المالية، والمأمول قد يكون مختلفاً عن الواقع، ولكنني أعتقد بأن هذا المأمول قريب من الواقع، فالمكاتب المحاسبية في السعودية وفي دول أخرى تقوم بالدور المناط بها وهو إصدار تأكيدات ورأي لمتخذ القرار، كما أعتقد ان كل تخصص يجب ان يخدم الجزئية من المجتمع التي يحتاجها فقط.
ومن غير المتوقع ان تخدم مكاتب المحاسبة قطاعاً لا يحتاجها، ولو نظرنا لخدمات أخرى تقدم مثلاً الخدمات الطبية والصحية لوجدنا ان المجتمع كله له ارتباط بهذه الخدمة نظراً لأنها ترتبط بصحة الفرد ويندر من لا يحتاج الخدمات الصحية، وأيضاً ينطبق ذلك على الطرق والمواصلات والأشياء المستخدمة يومياً، فالمحاسبة إذاً استطعنا ان نسميها علماً فهي علم يخدم شريحة محددة من متخذي القرارات، وهذه الشريحة لا تمثل المجتمع بأي حال من الأحوال، فمثلاً ليس كل المجتمع مستثمرين، بل فئة صغيرة منهم، والمحاسبة لا يتوقع منها ان تخدم المستثمرين الصغار، وإنما تخدم المستثمرين الكبار والبنوك لاتخاذ قرارات الاستثمار والاقراض، وليس كل المجتمع مرتبط باتخاذ القرارات. وكذلك تخدم شريحة من المجتمع في الجهات الحكومية، وهي الجهات الرقابية أو جهات الجباية، مثل مصلحة الزكاة والدخل، وأيضاً ليس كل المجتمع مرتبطاً بها. إذاً بكل أمانة نحن لا نستطيع ان نضخم ما هو متوقع وما هو مأمول من مكاتب المحاسبة لأن دورها محدد في المجتمع لخدمة شريحة أو شرائح صغيرة لا تمثل المجتمع ككل وهي تقوم بذلك على أكمل وجه وطبعاً هذا هو المأمول والواقع.
ونحن في المملكة قاربنا المستويات العالمية في مكاتب المحاسبة، وقد نقول وبكل فخر بأننا تقدمنا على جميع الدول التي تتمتع بمستوى مشابه لمستوانا مثل الدول الخليجية والدول العربية على وجه العموم التي اعتمدت في تطبيق المحاسبة وفي تطبيق قوانينها على معايير أنشئت خارجها ليس لها ارتباط بالبعد الثقافي، ولكن نحن في المملكة في وجود الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين التي تقوم بدور ريادي لتحقيق المأمول من مكاتب المحاسبة.
وفريق فحص الأداء لمكاتب المحاسبة خطوة تقدمت بها الهيئة على كثير من الهيئات حتى العالمية منها. إذاً يرجع كل هذا إلى ان نقول ان مكاتب المحاسبة تقوم بالدور المأمول منها سواء مكاتب صغيرة أو مكاتب كبيرة، الكل يخدم من يحتاجه.
ومطالبته بتدريب الشباب تقوم مكاتب المحاسبة بدور التدريب الداخلي على أكمل وجه، لأنها هي المستفيدة الأولى. ومعلوم لدينا في مهنة المحاسبة ان مكاتب المحاسبة على الرغم من ان العائد المادي للعمل معها ليس بالمستوى المأمول، نجد ان فيها العائد التدريبي الذي لمن هم جزء من المكتب هو عال جداً ويتفاوت ذلك حسب مقدرة كل مكتب، والتدريب الداخلي للمكاتب يعتبر خدمة للمجتمع (وأقصد المجتمع المحاسبي) فهذا يعتبر خدمة نظراً لأن من تدرب لدى مكتب من مكاتب المحاسبة بصورة جيدة فهو قد ينتقل إلى قطاع آخر بالمجتمع المحاسبي، وطبعاً لا تضمن الشركات المحاسبية أو غيرها بقاء أي موظف عندها بعد التدريب فهو قد ينتقل لمكتب محاسبة آخر أو شركة أخرى أو قد يعمل بنفس القطاع أو قد يفتح مكتب محاسبة خاصاً به، فهذا الأمر يعد من خدمة المجتمع المحاسبي، أما بالنسبة لتدريب وتأهيل المحاسبين وقت الدراسة فإن مكاتب المحاسبة يجب ان تركز عليه نظراً لأنها هي المستفيدة الأولى من نتائج هذا التأهيل. وتركز الشركات العالمية على دعم برامج المحاسبة في الجامعة وتصرف عليها بالملايين لدعمها، ولكن أيضاً بشروط حيث ان هذه البرامج التي تدعم يجب ان يعاد النظر فيها بما يخدم المهنة كما تراها مكاتب المحاسبة، إذ ان مكاتب المحاسبة تتدخل مباشرة سواء في البرامج الأكاديمية أو بالمواد التي تدرس، فهل أقسام المحاسبة في جامعاتنا على استعداد بأن تتلقى الدعم مقابل التدخل في العملية التعليمية؟ أنا متأكد بأن الجامعات لن تقبل ذلك.
"الرياض": دور مكاتب المحاسبة دور ضئيل جداً، لأنها تبحث عن الربح المادي فقط، وبعضها ربما لديه أطروحة معينة للتعاون.. ما الآلية المناسبة للقضاء على الفجوة ما بين أقسام المحاسبة ومكاتب المحاسبة؟
- يجب ان لا ننسى على الاطلاق بأن مكاتب المحاسبة منظمات هادفة للربح، وتحسب كل شيء بالتكلفة المادية، وقد يكون إرسال مجموعة من المحاسبين أو مديري فرق المراجعة لإلقاء المحاضرات في الجامعات مكلف مادياً، ولكن بطريقة غير مباشرة، فهؤلاء يحسبون أعمالهم بالساعة وهذا الأمر من أساسيات المحاسبة التي نعلمها لطلابنا بأن أي قرار يتخذ يجب ان يكون فيه تحليل للتكلفة مقابل المنفعة، لكن أيضاً يجب ان نسأل ما الذي تملكه الجامعات وماذا لديها لكي تقدمه لمكاتب المحاسبة؟ فمكاتب المحاسبة مطلوب منها دعم الجامعات، ومعروف لدينا دخل مكاتب المحاسبة عن طريق ما نشرته الهيئة قبل فترة قريبة، فعرفنا حجم إيراداتهم، لكن يجب أيضاً ان نعرف تكاليفهم ويجب ان نعرف ان المنافسة شديدة جداً في هذه المهنة، وأريد ان أؤكد على نقطة بأن هناك معاناة من الشركات الكبيرة، وربما من مكاتب لا تقوم بالعمل المناسب وتسبب منافسة وتضييقاً للدخل، كما ان وجود أخلاقيات المنافسة في المحاسبة (مثل ان المحاسب لا يستطيع ان يدخل على محاسب آخر ولا يستطيع ان يعلن) تحد من إمكانية المحاسب لزيادة الدخل، و"الدعم المتبادل" لا أراه دعماً متبادلاً، وإنما دعم باتجاه واحد من مكاتب المحاسبة للجامعات وهو دعم مادي فماذا قدمت الجامعات لمكاتب المحاسبة، وهل هذه الجامعات لديها الاستعداد لأن تتدخل مكاتب المحاسبة في مناهجها التعليمية أو في ساعات التدريس وساعات التدريب؟ لا أعتقد ذلك. أما بخصوص الفجوة ما بين الجامعة ومكاتب المحاسبة فإنني أؤكد حتى لو سمح لها التدخل في شؤون الجامعات، نجد أنها لا تعرف ما الذي تريده، فشركات المحاسبة الموجودة في الغرب لها خطة استراتيجية طويلة الأمد، تطبقها على مراحل، ومن أكبر الأمثلة ما حدث في مناهج التعليم الأمريكي من تغيير ( 150ساعة) حيث أكدوا ان برامج تعليم المحاسبة يجب ان تتبع احتياجات مكاتب المحاسبة، والتزمت الجامعات بذلك. أما هنا فإن مكاتب المحاسبة لا تستطيع ان تحدد نقاطاً معينة بخصوص طلباتها من الجامعات، والجامعات تستطيع ان تكتب عشرات النقاط لما تريده من مكاتب المحاسبة ، إذاً نحن لا نتكلم نفس اللغة على الرغم أننا من نفس المهنة، ونعرف الأساسيات الخاصة بالمهنة، لكن لا يوجد لدينا قابلية للتفاهم، وقد نكون نحن الأكاديميين أقدر من الممارسين على ترجمة الاحتياجات من أفكار إلى نقاط مكتوبة وواضحة يتم التفاهم عليها، فاغلاق الفجوة يتم بأن مكاتب المحاسبة يجب ان تعرف ما الذي تريده من الجامعات قبل ان تتحدث عن مخرجات الجامعات.
وبخصوص حاجات الجامعة وذكر حاجات مكاتب المحاسبة، فهذا تأكيد على ان الأكاديميين يعرفون حاجتهم ويعرفون حاجة مكاتب المحاسبة. فمكاتب المحاسبة غير مدركين لحاجاتهم من الجامعة ويكثرون استخدام ألفاظ عامة (مثل هذا الشخص مؤهل وهذا جيد وهذا ممتاز وهذا متقن لعمله.. إلخ)، فأنا أكاديمي لا يمكن لي ان أخرج أي طالب إلاّ إذا تأكدت من أنه مؤهل من وجهة نظري ونظر الجامعة التي قد تكون مختلفة عن وجهة نظر المكاتب المحاسبية.